يوسف الصيداوي: اللغوي المجدِّد

  • كتبه: د. محمد مكي الحسني الجزائري
  • شـوهــد: 17
مدة قراءة الترجمة : 32 دقائق .
يوسف الصيداوي: اللغوي المجدِّد من بحوث المؤتمر السابع لمجمع اللغة العربية بدمشق

(في المحور الأول من مؤتمرنا السابع هذا ثلاثة مجالات، عنوان أحدها: شخصيات دعت إلى التجديد.

وقد رأيت أن أتحدث عن إحداها؛ إذ كان لها نشاط كبير في قضايا تتعلق بالمحورين الثاني والثالث.

هذه الشخصية هي الأستاذ يوسف الصيداوي، رحمه الله (ت 2003).


لقد أمضى هذا الرجل حياته في التعلم والتعليم والمطالعة الجادة والتأليف.


ومن أبرز آثاره:
1- إعداد ركن لغوي للتلفزة السورية، بدأ عام 1982 ودام نحو عشر سنوات، قدَّم فيه نحوًا من 450 حلقة.
2- معالجة قضية خطيرة الشأن، هي إعادة صوغ قواعد اللغة العربية.
3- وضْعُ منهجٍ تأسيسي لتعليم اللغة العربية في المرحلة الابتدائية (الحلقة الأولى).


من المعلوم أن اختلاط العجم بالعرب في البيوت والأسواق، وفي المساجد والمناسك، جعل الخلل يتطرَّق إلى لسان العرب، وأخذ الفساد يدبّ في سليقتهم، وشرع اللحن يظهر.

فنهض العلماء لوضع قواعد (ضوابط) تحفظ العربية؛ فكان ما سُمِّي عِلمَ النحو.

كانت هذه القواعد أيام أبي الأسود الدؤلي وتلامذته مستوية لا عوج فيها، ثم بدأت الصناعة النحوية تُطِلُّ برأسها بعد عبد الله بن أبي إسحق الحضرمي، ولم تلبث أن مدَّت أطرافها على أيدي أئمة آخرين كأبي عمرِو بنِ العلاء، ويونسَ بنِ حبيب، والخليلِ بن أحمد وسيبويه.

فأدخلوا مفاهيم جديدة كالعامل النحوي، والعلَّة النحوية، والتأويل والتوهُّم، إلخ.
.
.

وأدخلوا في طيات هذه المفاهيم المنطق والفلسفة.

(الكفاف/10، 28، 29، بتصرف قليل).


لقد بدأ التذمر من الصناعة النحوية منذ زمن بعيد، وسأورد قريبًا الحوار الذي دار بين الجاحظ (ت 255هـ) والأخفش (218هـ).

وضاق ابن مضاء الأندلسي (ت 592هـ) ذرعًا بالنُّحاة وآرائهم، فوضع كتابة الشهير "الرد على النحاة"، ومع ذلك تابع النحو تضخمه وإرهاقه كواهلَ الدارسين للعربية، الذين تزايد مع الوقت ضعف سلائقهم، وامتنع عليهم تَمثُّل هذا التراث، فاستثقلوه، ثم سخروا منه وكرهوه، ثم كرهوا اللغة كلها، ثم كرهوا العاملين عليها والمشتغلين بها! (الكفاف /21).


من أجل ذلك بدأت الصيحات في ثلاثينيات القرن الماضي ترتفع مطالبة بتيسير النحو: فنشر الأديب أحمد حسن الزيات (ت 1968) في مجلة الرسالة مقالا عنوانه: "آفة اللغة هذا النحو"، جاء فيه: "لماذا لا نُجرِّد من النحو القواعد الثابتة التي تحفظ هذه اللغة، وندع ذلك الطَّمَّ والرمَّ[*] لمؤرخي الأدب وفقهاء اللغة وطلاب القديم، على ألاّ يطبقوه على الحاضر ولا يستعملوه في النقد، وإنما يُلحقونه بتلك اللغات البائدة التي خلق لها وتأثر بها، فيكون هو وهي في ذمة التاريخ وفي خدمة التاريخ"؟

ونشر الأديب الشيخ علي الطنطاوي سنة 1935 مقالا استعار عنوانه من الأستاذ الزيات، قال فيه: "لقد صدق الأستاذ الزيات وبَرَّ، وأصبح النحو علمًا عقيمًا يدرسه الرجل ويشتغل به سنين طويلة، ثم لا يخرج إلى شيء من إقامة اللسان والفهم عن العرب.

وإنني لأعرف جماعة من الشيوخ، قرؤوا النحو بضعة عشر عامًا.

ووقفوا على مذاهبه وأقواله، وعرفوا غوامضه وخفاياه، وأوَّلوا فيه وعلّلوا، وأثبتوا فيه ودلَّلوا، وناقشوا فيه وجادلوا، وذهبوا في التأويل والتعليل كل مذهب، ثم لا يفهم أحدهم كلمة من كلام العرب، ولا يقيم لسانه في صفحة يقرؤها أو خطبة يلقيها، أو قصة يرويها.

ولم يقتصر هذا العجز على طائفة من الشيوخ المعاصرين ومَن قبلهم من العلماء المتأخرين، بل لقد وقع فيه جِلَّة النحويين وأئمَّتهم منذ العهد الأول".

[علي الطنطاوي، فِكَر ومباحث /13].


بعد ذلك أُلِّفت في مصر لجنة بوزارة المعارف (كما كانت تسمى)، فأعدَّت تقريرًا طويلا ضمَّنته مقترحاتها لتحقيق التيسير المنشود.

ودرس مجمع القاهرة هذه المقترحات في مؤتمره سنة 1945، وأدخل عليها بعض التعديلات.
.
.

ولكن ذلك كلَّه لم يكتب له النجاح عمليًا!

وفي سنة 1977 قدّم الدكتور شوقي ضيف إلى مجمع القاهرة مشروعًا لتيسير النحو يقوم على إعادة تنسيق أبوابه، وحذْف 18 بابًا فرعيًا، وحذْف زوائد كثيرة لا حاجة إليها.

بعد ذلك وضع د.

شوقي ضيف كتابًا سمّاه (تجديد النحو) صدرت طبعته الثانية سنة 1982، يتضمن آراءه للتيسير؛ وهو كتاب موجَّه للذين يضعون مناهج النحو وكتبه المدرسية.

ومع ذلك لم يتغير من واقع الحال شيء، وتواصلت المطالبة بتيسير النحو في الجامعة والندوات والصحف والمجالات دون جدوى!.


كان التركيز وما يزال على تيسير النحو، مع أن الغرض المنشود هو أن يتعلم أبناء العرب لغتهم على الوجه الصحيح ليُحسنوا الكلام والكتابة وقراءة كُتب التراث وفهمها، ولا يتحقق هذا بتعلم النحو! (لم يتحقق ولن يتحقق!) لأن النحو لا يعلِّم اللغة، أيَّ لغة: فلن يحسن المرء الفرنسية أو الإنكليزية إذا استظهر قواعدها فقط.

إن إحسان اللغة يقتضي استظهار روائعها منذ الطفولة، والعيش في بيئة سليمة لغويًا، لا قراءةَ النحو واستظهار مسائله!

لقد عالج ابن خلدون (ت 808هـ) مسألة اكتساب ملكة اللغة فقال في مقدمته:
"اعلم أن ملكة اللسان المُضَري لهذا العهد قد ذهبت وفسدت.
.
.

إلا أن اللغات لمّا كانت مَلَكات.
.
.

كان تعلُّمها ممكنًا شأن سائر الملكات، ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها، أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث، وكلام السلف، ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم، وكلمات المولَّدين أيضًا في سائر فنونهم، حتى يتنـزَّل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منـزلة من نشأ بينهم، ولُقِّن العبارة عن المقاصد منهم، ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عمّا في ضميره على حسب عباراتهم، وتأليف كلماتهم، وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم، فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال، ويزداد بكثرتهما رسوخًا وقوة".

(مقدمة ابن خلدون/ 1080-1081).


ثم ينتقل ابن خلدون إلى تبيان أن الملكة غيرُ النحو، وأنها مستغنية عنه فيقول:
"فإن العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل، وليس هو العمل نفسه.

وكذلك تجد كثيرًا من جهابذة النحاة، والمهرة في صناعة العربية، المحيطين علمًا بتلك القوانين، إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودَّته، أو شكوى ظلامة أو قصدٍ من قصوده، أخطأ فيها الصواب وأكثر من اللحن، ولم يُجِدْ تأليف الكلام لذلك، والعبارةَ عن المقصود فيه على أساليب اللسان العربي.

وكذلك نجد كثيرًا ممن يحسن هذه الملكة، ويجيد الفنَّيْن من المنظوم والمنثور وهو لا يحسِن إعراب الفاعل من المفعول، ولا المرفوع من المجرور، ولا شيئًا من قوانين صناعة العربية.

فمِن هنا يُعْلَم أن تلك الملكة هي غير صناعة العربية، وأنها مستغنية عنها بالجملة" (المصدر نفسه / 1082-1083).


وحديثًا قال المؤرخ المعاصر المعروف الدكتور نقولا زيادة:
"علينا أن نتقن لغتنا، وإتقان هذه اللغة يقضي بأن يُقْبِل كل واحد منا على القرآن الكريم فيفهمَه فهمًا صحيحًا.

أما المسلم فله على ذلك أجره عند ربه، وأما الباقون فلهم على ذلك أجرهم عند نفوسهم وعند أبنائهم، الذين يُربُّونهم عندئذ تربية عربية خالصة.
" (مجلة العربي الكويتية /تموز 2004).


ويمكن تلخيص ما سبق بالعبارة الآتية:
ملكة اللغة، أيِّ لغة، تُكتَسَب بالحفظ والسماع أكثر ممّا تكتَسَب بالضابط والقاعدة!

أعود الآن إلى مسألة تيسير النحو؛ إن الإنسان –الوحيد فيما أعلم– الذي قال "النحو لا يُيَسَّر" هو الأستاذ يوسف الصيداوي، رحمه الله.

فقد رأى، كما قال: "أن القواعد شيء، والنحوَ شيء آخر، وما أبعدَ الشقةَ بينهما! القواعد تنطلق من (هكذا قالت العرب) وتقف عند (هذا لم تَقُله العرب).

وأما النحو فصَوَلان الفكر وجولانه في القاعدة، وإعمال العقل والرأي فيها.

والتفكير في الشيء ليس هو الشيء، فهل التفكير في الحرب هو الحرب؟ أو اختلاف الرأي في الزلزال هو الزلزال؟ فالنحو إذن ليس هو القاعدة، وإن كان يشملها.

ومَن أبى إلا أنهما شيء واحد فقد أفرط في التحكم" (الكفاف /7،17،18 بتصرف).


والدليل على صحة هذا الكلام ما جاء في الحيوان للجاحظ: "وقلت لأبي الحسن الأخفش: أنت أعلم الناس بالنحو، فلم لا تجعل كتبك مفهومةً كلَّها ، وما بالُنا نفهم بعضَها ولا نفهم أكثرها، وما بالُك تقدِّم بعض العويص وتؤخر بعضَ المفهوم؟! قال: أنا رجل لم أضع كتبي هذه لله، وليست هي من كتب الدين، ولو وضعتها هذا الوضع الذي تدعوني إليه، قلَّت حاجتهم إليَّ فيها، وإنما كانت غايتي المنالة، فأنا أضع بعضها هذا الوضع المفهوم، لتدعوَهم حلاوة ما فهموا إلى التماس فهم ما لم يفهموا، وإنما كسبتُ في هذا التدبير، إذ كنتُ إلى التكسُّب ذهبتُ.
" (الحيوان/1/91-92).


وعلَّق الأستاذ الصيداوي على ردِّ الأخفش بما يلي: "قلت: هاهنا نصٌّ نفيس يكاد لا يعدله نصٌّ آخر يبيِّن أن النحو غير القواعد.

إذ ليس من المعقول، ولا من المتخيَّل المتوهَّم، أن يكون الجاحظ لا يفهم –كما قال– أكثر قواعد العربية.

وإنما الذي يفهم بعضه، ولا يفهم أكثره، هو تلك الأمور المستحدثة التي أجال النحاة فيها عقولهم وتفكيرهم، من قياسٍ وتأويلٍ ورأيٍ وإعمال عاملٍ إلخ.
.
.

فضلا على لغتهم الخاصة ومصطلحاتهم وأساليبهم في التعبير".


وثمة نصٌّ نفيس آخر.

فقد قال ياقوتٌ في ترجمة الرُّماني: "وكان يمزج كلامه في النحو بالمنطق، حتى قال أبو عليٍّ الفارسي: إن كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شيء، وإن كان النحو ما نقوله نحن فليس معه منه شيء، وكان يقال: النحويون في زماننا ثلاثة: واحدٌ لا يُفهم كلامه وهو الرُّمَّاني، وواحدٌ يُفهم بعض كلامه وهو أبو عليٍّ الفارسيّ، وواحدٌ يُفهم جميع كلامه بلا أستاذ وهو السيرافي.
" (الكفاف / 49-50).

وعلّق الصيداوي على هذا بقوله: فهل يعني أبو علي بقوله هذا: أن ليس معه أو مع الرماني –على حسب الحال– من القواعد شيء؟! إن هذا غير معقول.

ولكنْ ما الحيلة فيمَن لا يريدون أن يفرِّقوا بين النحو والقواعد؟ فَيُصرُّون على الاستمساك بمقولة لا يقول بها أئمة النحاة أنفسهم؟" (الكفاف /50).


والآن، ما الذي صنعه يوسف الصيداوي؟
أقول، في تسعينيات القرن الماضي كنتُ في الأمسيات أمشي ساعةً مع الأستاذ الصيداوي للرياضة.

وكنّا أحيانًا كثيرة نتحدث في شؤون لغتنا، وما آل إليه حالها من تدني مستوى الكتابة فيها والكاتبين.

وكنت أقول له: إن أحد أسباب ذلك هو عدم وجود كتاب في قواعد اللغة، يعالج الموضوع الواحد في مكان واحد معالجة تتصف بالشمول واليُسر.

ولم يكن في المكتبة العربية آنذاك كتابٌ حقَّق مطلب الأستاذ الزيات الذي سبقت الإشارة إليه.

ومن أجل هذا كنت أحضُّه على أن يضع كتابًا شاملا في قواعد اللغة، خالصًا من الحشو الذي لا نفع فيه، ومرتَّبًا ألفبائيًا ليَسْهل الرجوع إلى البحث المقصود، وذلك على غرار بعض المراجع الإنكليزية والفرنسية.


وبعد تَرَدُّدٍ من الأستاذ الصيداوي وإلحاحٍ منّي، وافق صديقي على التصدي لهذه المهمة الشاقة جدًا! وأقول شاقة، إذ كان عليه أن يستل القاعدة مما غشيها من آراءٍ ومذاهب، ثم يعيدَ صَوغها؛ وهذا يقتضي بالضرورة قراءة ما كُتِب عن كل بحث في معظم كتُب النحو.

وقد تطلَّب منه ذلك أن ينفق زهاء شهرٍ في عملٍ جادٍّ لمعالجة مسألة واحدة، واستخراج قاعدتها خالصة مما لابسها من الفكر النحوي.

وكان عند إعادة صوغ القاعدة، يأخذ بالرأي اللَّيِّن، الذي حجته في النقل عن العرب أقوى من الآراء الأخرى.

وبعد أن يصوغ القاعدة كان يُتبعها نماذجَ تطبيقية من أفصح الكلام تبيِّن استعمالها.

إنّ إيراد هذه النماذج ميزة كبيرة يمتاز بها عمل الصيداوي.

ولتيسير الرجوع إلى قاعدة ما، رتب الأستاذ القواعد على وفق حروف المعجم (ألفبائيًا).


وحين أنجز إعادة صوغ قواعد العربية رأى من المفيد بيان معاني الأدوات واستعمالاتها.

فعالجها بأسلوب مماثل لأسلوب صوغ القواعد، ورتّبها ألفبائيًا أيضًا وألحقها بالقواعد؛ فكان منها ومن القواعد والمقدمة الطويلة، الجزء الأول من الكتاب الذي سمّاه الأستاذ الصيداوي: "الكفاف : كتابٌ يعيد صوغ قواعد اللغة العربية".


ليست مقدمة الكفاف كأي مقدمة؛ فهي تشغل 58 ثمانيًا وخمسين صفحة، وضع في بدايتها فهرسًا لها مكوّنًا من تسع فقرات، بيّن فيها دواعي صنع الكتاب ومنهجه.

وهذه الفقرات هي:
- صَرْحٌ مُمَرَّد.
- النحو شيء، والقواعد شيء آخر.
- تيسير النحو.
- إعادة صوغ القاعدة.
- ليس هذا الكتاب موجزًا لقواعد اللغة، بل هو قواعد اللغة تامة.
- مشكلات في الطريق النحوي.
- ليس كل عالِم مُعَلِّمًا.
- الاحترام والإجلال لا يمنعان من النقد.
- النحو لا يعلّم اللغة.


أما الجزء الثاني من (الكفاف) فهو "مناقشات"، وفيه يناقش المؤلف آراء النحاة في المسألة المدروسة، مُتَسلِّحًا بآراء أئمةٍ لمناقشة آراء أئمَّةٍ آخرين، وذلك ليعلّل اطِّراحه ما رأى فائدةً في تخليص القاعدة منه.

وكان ذَكَرَ في المقدمة أن الاحترام والإكبار للنحاة لا يمنعان من النقد.

وقد يكون نقده لاذعًا أحيانًا ولكن ليس بلا سبب! فمثلا عَرَضَ في الصفحة 815 من المناقشات ما جاء في حاشية الصبّان (3/8-9) من تمثيل تراكيب الصفة المشبهة التي بلغ عددها 14256 صورة فقط!!

ولبيان الفرق بين أسلوب (الكفاف) وأسلوب كتب النحو، أذكر أن بحث المستثنى في أَلْيَن كتب النحو، وهو (جامع الدروس العربية للشيخ مصطفى الغلاييني) يشغل 20 عشرين صفحة، أدخلَ فيها الشيخ أسلوب الحصر في أسلوب الاستثناء! أما كتاب (النحو الوافي للأستاذ عباس حسن) فيشغل بحث الاستثناء فيه 28 ثمانيًا وعشرين صفحة، يليها عشر صفحات لأحكام المستثنى الذي أدواته أسماء، ويليها 10 عشر صفحات لأحكام المستثنى الذي أدواته أفعال خالصة!

وأما في (الكفاف) فيشغل المستثنى بإلا صفحة واحدة، يليها سِتُّ صفحات تعرض نماذج فصيحة من استعمال المستثنى بإلاّ!

مثال آخر: بحث المنادى.

يشغل هذا البحث عند الغلاييني 18 ثماني عشرة صفحة، وفي النحو الوافي 115 مئة وخمس عشرة صفحة! وفي الكفاف 4.
5 أربع صفحات ونصف الصفحة.


مثال ثالث: الفاعل ومطابقة الفعل للفاعل.

عالج الغلاييني هذا البحث في 4 أربع صفحات.

وشغل في النحو الوافي 10 عشر صفحات.

أما في الكفاف فشغل صفحة ونصف الصفحة، وتلاه 5 خمس صفحات من النماذج الفصيحة.


مثال رابع: عالج الغلاييني التوكيد في أربع صفحات.

وفي النحو الوافي شغل التوكيد المعنوي 24 أربعًا وعشرين صفحة، والتوكيد اللفظي 13 ثلاث عشرة صفحة!

وفي الكفاف نجد صفحة ونصف الصفحة للبحث، وصفحتين ونصف الصفحة للنماذج الفصيحة!

ولخص الصيداوي التوكيد المعنوي بالعبارة الآتية:
المؤكَّدُ، يؤكَّد بمثله، إلا المثنَّى فيؤكد بمثله وبالمفرد وبالجمع أيضًا، نحو: جاء الرجلان نفساهما، أو نفسُهما، أو أنفسُهما.


لقد استغرق إعداد هذا الكتاب أكثر من ست سنوات، أنفق الأستاذ خلالها نحو 25 خمسة وعشرين ألفَ ساعة عمل في إعداده! أجل، خمسةً وعشرين ألف ساعة عمل، لأنه "كتاب العمر" كما كان يسميه لي، وكثيرًا ما كان يقول: أخشى أن أموت قبل إنجاز هذا الكتاب.

ولقد مَنَّ الله تعالى على أمة العرب بأن أوصل" الكفاف" إلى أيدي أبنائها.


صدر الكتاب عن "دار الفكر" بدمشق سنة 1999م، وكان لصدوره صدًى واسع وقوي، وحُقَّ له ذلك: فقد كتبت عنه الصحف السورية بأقلام سورية وأردنية، وتحدثت عنه إذاعة دمشق وإذاعة لندن.

وعُقدت ندوة في المركز الثقافي بالمزة، دارت حول ميزاته ومميزاته.

لقد كان من المتوقَّع أن يتأثر واضعو المناهج والكتب المدرسية بهذا الكتاب غير العادي، وأن يكون تأثُّرهم قويًا.

فهو ليس كتابًا تجاريًا يمكن إعداده في 100 مئة ساعة عمل! ولقد كانت أمنيَّة الكثيرين أن يتغير أسلوب تعليم قواعد اللغة.

ولكن يبدو أن قانون (العطالة) أو (القصور الذاتي)، المعروف في علم الفيزياء، والذي ينصُّ على مقاومة الأشياء لتغيير حالتها من حيث السكون والحركة، هذا القانون نافذٌ في غير الفيزياء.
.
.
.

عند الخاضعين لقانون المجهود الأدنى.
.
.
.


على أيِّ حال، مهما يكن أسلوب تعليم القواعد رائعًا، فإنه –وحدَه- لن يعلِّم اللغة.


تعلُّم اللغة يتطلب بيئةً سليمة لغويًّا، فأين هذه البيئة، وإذا كانت العامية غير محصورة في البيت فقط، بل لها حضورها القوي في المدرسة والطريق والجامعة والإذاعة ومحطات التلفزة الفضائية التي تُعدُّ بالمئات؟ بل وفي عدد من الصحف في بعض البلاد العربية!

وإضافةً إلى ما ذكر، لا تفرض المناهجُ التعليمية على التلاميذ والطلاب مطالعة الكتب السهلة المصوغة بلغةٍ عربيةٍ متينة، ليكتسبوا منها صحة اللغة وسلامة الأسلوب، ككتب ابن المقفّع والرافعي والمنفلوطي وغيرها.
.
.


أنتقل الآن إلى الحديث عن مشاركة الأستاذ الصيداوي في مجال آخر يدخل في نطاق المحور الثالث في مؤتمرنا هذا، وهو التجديد في ميدان تعليم اللغة:
فقد أقام مجمع اللغة العربية بدمشق سنة 2000م ندوة عنوانها: اللغة العربية والتعليم.


وشارك فيها الصيداوي ببحث قيّم جدًا ورصين جدًا عنوانه: المنهج التأسيسي لتعليم اللغة العربية في المرحلة الابتدائية ( الحلقة الأولى).

وقد أمضى في إعداده ثلاثة أشهر بذل خلالها جهدًا ضخمًا.

وهو يشغل في هذا الكتاب( وقائع ندوة2000) 58 ثمانيًا وخمسين صفحة!

لم يتكلم في بحثه كلامًا نظريًا، لأنه مارس التعليم في المراحل الثلاث نحوًا من ثلاثين سنة (1947- 1975) وتحصَّلت لديه خبرة واسعة.

وذكر في بداية بحثه أن التعليم في بلدنا كان يجري في الصف الأول، قبل نحو نصف قرن، على طريقة التهجّي، وتسمى اليوم: الطريقة الصوتية أو التركيبية.

وذلك أن يقرأ الطفل الحرف الأول من الكلمة، ثم يُتبعه حرفها الثاني ثم الثالث ثم الرابع حتى يُتِمَّ تَهَجِّيَ حروفها، نحو: (دادا)! د، ا=دا، د، ا =دا !دادا.
.
.


ولقد رأى القائمون عندنا على شؤون التعليم قبل نصف قرن أن يُحِلُّوا الطريقة الجُمَلِيَّة محل طريقة التهجّي فكان ذلك! وحاول الصيداوي الحصول على التقرير الذي قُدِّم بين يدي هذه النقلة الواسعة الشاسعة، لكي يطَّلع على أسبابها الموجبة، فلم يظفر بطائل!

تقوم الطريقة الجُمَلِيّة على فكرة الباحث النمساوي Ehrenfels القائلة بأن "الشكل شيء غير مجموع أجزائه".

ونادى العالم البلجيكي Decrolyبتطبيق هذه الفكرة في ميدان التربية.

غير أن الباحث الفرنسي Zazzo بيّن بالدليل أن ليس لهذا المذهب في ميدان التربية فضل يمتاز به من سواه من المدارس التربوية الأخرى!

هذا، على أن إنعام النظر بيّن للصيداوي أن هذه الطريقة توافق خصائص اللغة الفرنسية والإنكليزية.

فالإنكليز أنفسهم لا يمارون في أن مفردات لغتهم لا توافق قراءتُها كتابتَها.

أما الفرنسية فما أمرها من الإنكليزية ببعيد.

ذلك أن من أحرفها ما يكتب في الكلمة ولا يلفظ، نحو: ils Parlent ( أي يتكلمون) فهنا أربعة أحرف ent,s لا تلفظ، ومثل هذا كثير.


والعجيب أننا في هذا البلد، بدأنا الأخذ بالطريقة الجُمليَّة، بعد أن توصّل Zazzo قبل أكثر من نصف قرن إلى إسقاط القول بفضلها على الطرائق الأخرى.

وتقضي هذه الطريقة أن نعلِّم أطفالنا العبارة قبل الجملة، والجملة قبل الكلمة، والكلمة قبل الحرف! وبناءً على هذا يطلب إلى الطفل أن يقرأ في الصفحة (55) مثلا من كتاب القراءة للصف الأول العبارة الآتية (قال بابا هذا باب الحديقة) يُطلب إليه أن يقرأها وهو لا يعرف منها كلِّها إلا حرف الألف! إلخ.
.
.


ثم بين الصيداوي أن الطريقة الجُمليّة لا تزود الطفل بآليةٍ يمكنه أن يُعْمِلها كلما أراد أن يقرأ، بل تعلّمه المفردات طول العام كلمة كلمة، استظهارًا وحفظًا عن ظهر قلب.

ومن هنا يكون من الطبيعي أن تُعَدَّ وتُحصى الكلمات التي يتعلمها طَوال العام!

وليس في كتب المرحلة التعليمية الأولى ما يبين كيف يملك الطفل آلية القراءة؟ ومتى يتحقق ذلك؟ وهذا عيبٌ خطيرٌ جدًا في الطريقة وكُتُبها!

الحقيقة التي لا مراء فيها هي أنه منذ بدأتْ كُتُبنا تطبيق الطريقة الجملية في الصف الأول، بدأ انحدار أبنائنا نحو عشا القراءة وشلل الكتابة، وصحب انحدارهم شكوى الآباء والأمهات عَجْزَ أبنائهم.


وكان لابدَّ من أن ينشأ عن عجز الطفل إحساسه بالهزيمة، وأن ينكفئ معتقدًا في نفسه القصور، نافرًا من لغته، مُبغضًا لها!

لقد رأى الصيداوي أن ما يناسب العربية هو الاستفادة من الطريقتين التركيبية والجملية.

وسمّى الطريقة التي ابتكرها واقترحها (الطريقة المقطعية) لأنها مَبْنيَّة على مقاطع، بيَّنها مُفَصَّلَةً في بحثه، ولا مجال للخوض فيها الآن.
.
.


ثم وجَّه النظر إلى أمر خطير أعظم أهميّةً من القراءة والكتابة، وهو أسلوب تعليم الطفل اللغة الصحيحة الفصيحة.

فأكّد أنه ليس صحيحًا أن المُقَطَّعات[*] والقصائد التي تناسب الطفل هي تلك الخالية من الفصاحة والبيان، كخطاب الشاعر للمدرسة والصّف والعَلم، أو القول على لسان الطفل: إنَّه يُسَرِّح بالمشط شعره، ويُقَبِّل ماما قبل النَّوم! فإن هذا ونحوَه لا يُنتج في آخر المطاف إلا عربيّةً مغسولة، كما يقول الإمام عبد القاهر الجرجاني، وكما دلَّت تجارب التعليم في بلدنا طوال نحو أربعين سنة.

وقد يقال إن الطفل لا يستطيع أكثر من هذا.


وفي الجواب يقول الصيداوي: بل هو يستطيع أكثر من هذا.

وما يُكَلَّفه الأطفالُ اليوم في المدارس، من استظهار قصار السور، كسورة الفيل وسورة الناس وسورة قريش، وسورة الكوثر، دليلٌ لا يدحض على أن قدرة الطفل تتجاوز كثيرًا ما يُظَنُّ به.

وقد كان الأطفالُ من قبلُ، يستكملون استظهار القرآن كلِّه من الدَّفة إلى الدفة قبل أن يتجاوزوا السنة الخامسة من أعمارهم!

وبَدَل أن نكلف الطفل استظهار (يا مدرستي يا مدرستي) لِنُكلِّفْه ما كنّا نُكلَّف استظهارَه قبل نحو خمس وستين سنة، من مثل:


عصفورتان في  الحجا        ز   حَلَّتا   على   فََننْ
في  خاملٍ  من   الرّيا        ضِ لا ندٍ  ولا  حَسَنْ
بينا     هما      تَنْتَجيا        نِ سَحَرًا على الغُصُنْ
مرَّ    على    أيكهما        ريحٌ سَرَى من  اليمن
 

إلى آخر هذه الأُرجوزة الرائعة.

إن لشوقي ما يصحُّ أن يسمّى (ديوانًا للأطفال) فيه لَطِيفُ الحكايات، منظومًا بفصيح الكلام، فلنغترف منه ما نقيمُ به ألسنة أبنائنا، ويكون لهم ذخرًا لغويًا.


ثمَّ بيَّن الأستاذ الصيداوي العيوب الكثيرة المنوَّعة في كتاب القراءة المقرر للصف الأول لعام 2008 وعيوبَ دليله! وأوضح المنهج الذي يجب اتباعه عند إعداد الكتب المدرسية.


لقد حلل الصيداوي في بحثه الرصين هذا أسباب انحدار اللغة عند أبناء الأمة، وقدَّم مذهبًا متكاملا للإصلاح.

وسُمح له أن يلقي في هذه القاعة في الندوة المذكورة موجزًا مكثفًا خلال 20 عشرين دقيقة فقط! وإن الأسى ليعصر القلب حين يتذكر المرء كيف هبَّ بعض الحضور ينبذون ما قيل ويعلنون غضبهم عليه، من قبل أن يقرؤوا البحث كاملا، أو يُلِمُّوا به إلمامًا كافيًا، متمسكين بمذهب في التعليم سقيم، لا يقبلون عنه بديلا؛ لأنهم اعتادوه، ولا يرغبون في بذل أي جهد لتحسين الحال.
.
.

بحكم قانون المجهود الأدنى.
.
.


وهكذا نرى أن قانون العطالة نافذٌ بقوة، وأنه يحول دون التجديد، وأنه وراء أوضاعنا اللغوية المأسوية.


قال مؤسس هذا المجمع، الأستاذ محمد كرد علي رحمه الله: "اللغة أول مظهر من مظاهر القومية، ومَن ضَعُفَتْ مَلَكتُها فيه، وفي وُسْعِه إحكامها، كان والهمج الهامج سواء!".
  ــــــــــــــــــــ [*]    الطَّمُّ والرَّمُّ: الماء الكثير وما يحمله؛ ومجازًا: الرُّكام! [*]   المُقَطَّعات من الكلام: الأجزاء المختارة.