سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، يَقُولُ : جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا بِهَا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا ، فَقَالُوا : " أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ " فَقَالَ أَحَدُهُمْ : أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا ، وَقَالَ الْآخَرُ : " أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ فَلَا أُفْطِرُ " وَقَالَ الْآخَرُ : " أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ وَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا " فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي "
    1834 أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ ، أنا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ ، نا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، أنا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، يَقُولُ : جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا بِهَا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا ، فَقَالُوا : أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمْ : أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا ، وَقَالَ الْآخَرُ : أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ فَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ الْآخَرُ : أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ وَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي
    156

    أحاديث أخري متعلقة من كتاب كتاب النكاح

    مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ

    لا تتوفر ترجمة لهذا الحديث

    وهذه ترجمة لمعناه من ترجمة لحديث (البخاري في صحيحه - باب الترغيب في النكاح - رقمه 4793) من قائمة تخريجه

    A group of three men came to the houses of the wives of the Prophet (ﷺ) asking how the Prophet (ﷺ) worshipped (Allah), and when they were informed about that, they considered their worship insufficient and said, Where are we from the Prophet (ﷺ) as his past and future sins have been forgiven. Then one of them said, I will offer the prayer throughout the night forever. The other said, I will fast throughout the year and will not break my fast. The third said, I will keep away from the women and will not marry forever. Allah's Messenger (ﷺ) came to them and said, Are you the same people who said so-and-so? By Allah, I am more submissive to Allah and more afraid of Him than you; yet I fast and break my fast, I do sleep and I also marry women. So he who does not follow my tradition in religion, is not from me (not one of my followers).

    ':'Telah menceritakan kepada kami Sa'id bin Amir Abu Maryam Telah mengabarkan kepada kami Muhammad bin Ja'far Telah mengabarkan kepada kami Humaid bin Abu Humaid Ath Thawil bahwa ia mendengar Anas bin Malik radliallahu 'anhu berkata; Ada tiga orang mendatangi rumah isteri-isteri Nabi shallallahu 'alaihi wasallam dan bertanya tentang ibadah Nabi shallallahu 'alaihi wasallam. Dan setelah diberitakan kepada mereka sepertinya mereka merasa hal itu masih sedikit bagi mereka. Mereka berkata 'Ibadah kita tak ada apa-apanya dibanding Rasulullah shallallahu 'alaihi wasallam bukankah beliau sudah diampuni dosa-dosanya yang telah lalu dan juga yang akan datang?' Salah seorang dari mereka berkata 'Sungguh aku akan shalat malam selama-lamanya.' Kemudian yang lain berkata 'Kalau aku maka sungguh aku akan berpuasa Dahr (setahun penuh) dan aku tidak akan berbuka.' Dan yang lain lagi berkata 'Aku akan menjauhi wanita dan tidak akan menikah selama-lamanya.' Kemudian datanglah Rasulullah shallallahu 'alaihi wasallam kepada mereka seraya bertanya: 'Kalian berkata begini dan begitu. Ada pun aku demi Allah adalah orang yang paling takut kepada Allah di antara kalian dan juga paling bertakwa. Aku berpuasa dan juga berbuka aku shalat dan juga tidur serta menikahi wanita. Barangsiapa yang benci sunnahku maka bukanlah dari golonganku.''

    • ( رهط ) الرهط : الجماعة من الرجال دون العشرة.
    • ( تقالوها ) تقالوها : اعتبروها قليلة.

    لا يوجد شرح لهذا الحديث
    وهذا شرح لحديث (البخاري في صحيحه - باب الترغيب في النكاح - رقمه 4793) من قائمة تخريجه

    [5063] قَوْلُهُ جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ كَذَا فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَالرَّهْطُ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ وَالنَّفَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى تِسْعَةٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا اسْمُ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورِينَ هُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعُثْمَان بن مَظْعُون وَعند بن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْعَدَنِيِّ كَانَ عَلِيٌّ فِي أُنَاسٍ مِمَّنْ أَرَادُوا أَنْ يُحَرِّمُوا الشَّهَوَاتِ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الْمَائِدَةِ وَوَقَعَ فِي أَسْبَابِ الْوَاحِدِيِّ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ النَّاسَ وَخَوَّفَهُمْ فَاجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعلي وبن مَسْعُودٍ وَأَبُو ذَرٍّ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَالْمِقْدَادُ وَسَلْمَانُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمَعْقِلُ بْنُ مُقَرِّنٍ فِي بَيْتِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَصُومُوا النَّهَارَ وَيَقُومُوا اللَّيْلَ وَلَا يَنَامُوا عَلَى الْفُرُشِ وَلَا يَأْكُلُوا اللَّحْمَ وَلَا يَقْرَبُوا النِّسَاءَ وَيَجُبُّوا مَذَاكِيرَهُمْ فَإِنْ كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الرَّهْطُ الثَّلَاثَةُ هُمُ الَّذِينَ بَاشَرُوا السُّؤَالَ فَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ بِخُصُوصِهِمْ تَارَةً وَنُسِبَ تَارَةً لِلْجَمِيعِ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي طَلَبِهِ وَيُؤَيِّدُ أَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي الْجُمْلَةِ مَا رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ عَقَارَهُ فَيَجْعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيُجَاهِدَ الرُّومَ حَتَّى يَمُوتَ فَلَقِيَ نَاسًا بِالْمَدِينَةِ فَنَهَوْهُ عَنْ ذَلِكَ وَأَخْبَرُوهُ أَنَّ رَهْطًا سِتَّةً أَرَادُوا ذَلِكَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَاهُمْ فَلَمَّا حَدَّثُوهُ ذَلِكَ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ وَكَانَ قَدْ طَلَّقَهَا يَعْنِي بِسَبَبِ ذَلِكَ لَكِنْ فِي عَدِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَعَهُمْ نَظَرٌ لِأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَا أَحْسَبُ قَوْلُهُ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ عَلْقَمَةَ فِي السِّرِّ قَوْلُهُ كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا بِتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَضْمُومَةِ أَيِ اسْتَقَلُّوهَا وَأَصْلُ تَقَالُّوهَا تَقَالَلُوهَا أَيْ رَأَى كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّهَا قَلِيلَةٌ قَوْلُهُ فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ وَالْكُشْمِيهَنِيِّ قَدْ غُفِرَ لَهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِحُصُولِ ذَلِكَ لَهُ يُحْتَاجُ إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْعِبَادَةِ عَسَى أَنْ يَحْصُلَ بِخِلَافِ مَنْ حَصَلَ لَهُ لَكِنْ قَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ فَأَشَارَ إِلَى هَذَا بِأَنَّهُ أَشَدُّهُمْ خَشْيَةً وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِمَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ فِي جَانِبِ الرُّبُوبِيَّةِ وَأَشَارَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَالْمُغِيرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ إِلَى مَعْنًى آخَرَ بِقَوْلِهِ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا قَوْلُهُ فَقَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَأَنَا أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا هُوَ قيد لِليْل لَا لأصلي وَقَوله فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا أَكَّدَ الْمُصَلِّي وَمُعْتَزِلَ النِّسَاءِ بِالتَّأْبِيدِ وَلَمْ يُؤَكِّدِ الصِّيَامَ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فِطْرِ اللَّيَالِي وَكَذَا أَيَّامُ الْعِيدِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا آكُلُ اللَّحْمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَنَامُ عَلَى الْفِرَاشِ وَظَاهِرُهُ مِمَّا يُؤَكِّدُ زِيَادَةَ عَدَدِ الْقَائِلِينَ لِأَنَّ تَرْكَ أَكْلِ اللَّحْمِ أَخَصُّ مِنْ مُدَاوَمَةِ الصِّيَامِ وَاسْتِغْرَاقَ اللَّيْلِ بِالصَّلَاةِ أَخَصُّ مِنْ تَرْكِ النَّوْمِ عَلَى الْفِرَاشِ وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِضُرُوبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ قَوْلُهُ فَجَاءَ إِلَيْهِمْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ عُمُومًا جَهْرًا مَعَ عَدَمِ تَعْيِينِهِمْ وَخُصُوصًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ رِفْقًا بِهِمْ وَسَتْرًا لَهُمْ قَوْلُهُ أَمَا وَاللَّهِ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ حَرْفُ تَنْبِيهٍ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْخَبَرِ أَمَّا أَنَا فَإِنَّهَا بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ لِلتَّقْسِيمِ قَوْلُهُ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى رَدِّ مَا بَنَوْا عَلَيْهِ أَمْرَهُمْ مِنْ أَنَّ الْمَغْفُورَ لَهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدٍ فِي الْعِبَادَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ يُبَالِغُ فِي التَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَةِ أَخْشَى لِلَّهِ وَأَتْقَى مِنَ الَّذِينَ يُشَدِّدُونَ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشَدِّدَ لَا يَأْمَنُ مِنَ الْمَلَلِ بِخِلَافِ الْمُقْتَصِدِ فَإِنَّهُ أَمْكَنُ لِاسْتِمْرَارِهِ وَخَيْرُ الْعَمَلِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَقَدْ أَرْشَدَ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الْمُنْبَتُّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ شَيْءٌ مِنْهُ قَوْلُهُ لَكِنِّي اسْتِدْرَاكٌ مِنْ شَيْءٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ أَيْ أَنَا وَأَنْتُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُبُودِيَّةِ سَوَاءٌ لَكِنْ أَنَا أَعْمَلُ كَذَا قَوْلُهُ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي الْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةُ لَا الَّتِي تُقَابِلُ الْفَرْضَ وَالرَّغْبَةُ عَنِ الشَّيْءِ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ وَالْمُرَادُ مَنْ تَرَكَ طَرِيقَتِي وَأَخَذَ بِطَرِيقَةِ غَيْرِي فَلَيْسَ مِنِّي وَلَمَّحَ بِذَلِكَ إِلَى طَرِيقِ الرَّهْبَانِيَّةِ فَإِنَّهُمُ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا التَّشْدِيدَ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ عابهم بِأَنَّهُم مَا وفوه بِمَا التمزموه وَطَرِيقَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ فَيُفْطِرُ لِيَتَقَوَّى عَلَى الصَّوْمِ وَيَنَامُ لِيَتَقَوَّى عَلَى الْقِيَامِ وَيَتَزَوَّجُ لِكَسْرِ الشَّهْوَةِ وَإِعْفَافِ النَّفْسِ وَتَكْثِيرِ النَّسْلِ وَقَوْلُهُ فَلَيْسَ مِنِّي إِنْ كَانَتِ الرَّغْبَةبِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ يُعْذَرُ صَاحِبُهُ فِيهِ فَمَعْنَى فَلَيْسَ مِنِّي أَيْ عَلَى طَرِيقَتِي وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْمِلَّةِ وَإِنْ كَانَ إِعْرَاضًا وَتَنَطُّعًا يُفْضِي إِلَى اعْتِقَادِ أَرْجَحِيَّةِ عَمَلِهِ فَمَعْنَى فَلَيْسَ مِنِّي لَيْسَ عَلَى مِلَّتِي لِأَنَّ اعْتِقَادَ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الْكُفْرِ وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى فَضْلِ النِّكَاحِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ وَفِيهِ تَتَبُّعُ أَحْوَالِ الْأَكَابِرِ لِلتَّأَسِّي بِأَفْعَالِهِمْ وَأَنَّهُ إِذَا تَعَذَّرَتْ مَعْرِفَتُهُ مِنَ الرِّجَالِ جَازَ اسْتِكْشَافُهُ مِنَ النِّسَاءِ وَأَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى عَمَلِ بِرٍّ وَاحْتَاجَ إِلَى إِظْهَارِهِ حَيْثُ يَأْمَنُ الرِّيَاءَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَمْنُوعًا وَفِيهِ تَقْدِيمُ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى الله عِنْد الْفَاء مَسَائِلِ الْعِلْمِ وَبَيَانُ الْأَحْكَامِ لِلْمُكَلَّفِينَ وَإِزَالَةُ الشُّبْهَةِ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ وَأَنَّ الْمُبَاحَاتِ قَدْ تَنْقَلِبُ بِالْقَصْدِ إِلَى الْكَرَاهَةِ وَالِاسْتِحْبَابِ وَقَالَ الطَّبَرِيُّ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ مَنَعَ اسْتِعْمَالَ الْحَلَالِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالْمَلَابِسِ وَآثَرَ غَلِيظَ الثِّيَابِ وَخَشِنَ الْمَأْكَلِ قَالَ عِيَاضٌ هَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ فَمِنْهُمْ من نجا إِلَى مَا قَالَ الطَّبَرِيُّ وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا قَالَ وَالْحَقُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الْكُفَّارِ وَقَدْ أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَمْرَيْنِ قُلْتُ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ وَالْحَقُّ أَنَّ مُلَازَمَةَ اسْتِعْمَالِ الطَّيِّبَاتِ تُفْضِي إِلَى التَّرَفُّهِ وَالْبَطَرِ وَلَا يَأْمَنُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ لِأَنَّ مَنِ اعْتَادَ ذَلِكَ قَدْ لَا يَجِدُهُ أَحْيَانًا فَلَا يَسْتَطِيعُ الِانْتِقَالَ عَنْهُ فَيَقَعُ فِي الْمَحْظُورِ كَمَا أَنَّ مَنْعَ تَنَاوُلِ ذَلِكَ أَحْيَانًا يُفْضِي الىالتنطع الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطيبات من الرزق كَمَا أَنَّ الْأَخْذَ بِالتَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَةِ يُفْضِي إِلَى الْمَلَلِ الْقَاطِعِ لِأَصْلِهَا وَمُلَازَمَةَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْفَرَائِضِ مَثَلًا وَتَرْكَ التَّنَفُّلِ يُفْضِي إِلَى إِيثَارِ الْبَطَالَةِ وَعَدَمِ النَّشَاطِ إِلَى الْعِبَادَةِ وَخَيْرُ الْأُمُورِ الْوَسَطُ وَفِي قَوْلِهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَيْهِ إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ وَفِيهِ أَيْضًا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِاللَّهِ وَمَعْرِفَةَ مَا يَجِبُ مِنْ حَقِّهِ أَعْظَمُ قَدْرًا مِنْ مُجَرّد الْعِبَادَة الْبَدَنِيَّة وَالله أعلم الحَدِيث الثَّانِي

    (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ النِّكَاحِ)
    كَذَا للنسفي وَعَن رِوَايَة الْفربرِي تَأْخِير الْبَسْمَلَة وَالنِّكَاح فِي اللُّغَةِ الضَّمُّ وَالتَّدَاخُلُ وَتَجَوَّزَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ الضَّمُّ وَقَالَ الْفَرَّاءُ النُّكْحُ بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ اسْمُ الْفَرْجِ وَيَجُوزُ كَسْرُ أَوَّلِهِ وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْوَطْءِ وَسُمِّيَ بِهِ الْعَقْدُ لِكَوْنِهِ سَبَبَهُ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيُّ هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا وَقَالَ الْفَارِسِيُّ إِذَا قَالُوا نَكَحَ فُلَانَةَ أَوْ بِنْتَ فُلَانٍ فَالْمُرَادُ الْعَقْدُ وَإِذَا قَالُوا نَكَحَ زَوْجَتَهُ فَالْمُرَادُ الْوَطْءُ وَقَالَ آخَرُونَ أَصْلُهُ لُزُومُ شَيْءٍ لِشَيْءٍ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِ وَيَكُونُ فِي الْمَحْسُوسَاتِ وَفِي الْمَعَانِي قَالُوا نَكَحَ الْمَطَرُ الْأَرْضَ وَنَكَحَ النُّعَاسُ عَيْنَهُ وَنَكَحْتُ الْقَمْحَ فِي الْأَرْضِ إِذَا حَرَثْتُهَا وَبَذَرْتُهُ فِيهَا وَنَكَحَتِ الْحَصَاةُ أَخْفَافَ الْإِبِلِ وَفِي الشَّرْعِ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ كَثْرَةُ وُرُودِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِلْعَقْدِ حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا لِلْعَقْدِ وَلَا يَرِدُ مِثْلُ قَوْلِهِ حَتَّى تَنْكِحَ زوجا غَيره لِأَنَّ شَرْطَ الْوَطْءِ فِي التَّحْلِيلِ إِنَّمَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَإِلَّا فَالْعَقْدُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ حَتَّى تَنْكِحَ مَعْنَاهُ حَتَّى تَتَزَوَّجَ أَيْ يَعْقِدَ عَلَيْهَا وَمَفْهُومُهُ أَنَّ ذَلِكَ كَافٍ بِمُجَرَّدِهِ لَكِنْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنْ لَا عِبْرَةَ بِمَفْهُومِ الْغَايَةِ بَلْ لَا بُدَّ بَعْدَ الْعَقْدِ مِنْ ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ التَّطْلِيقِ ثُمَّ الْعِدَّةِ نَعَمْ أَفَادَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ فَارِسٍ أَنَّ النِّكَاحَ لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا لِلتَّزْوِيجِ إِلَّا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحُلُمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ كَقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ إِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ وَقِيلَ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَبِهِ جَزَمَ الزَّجَّاجِيُّ وَهَذَا الَّذِي يَتَرَجَّحُ فِي نَظَرِي وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَقْدِ وَرَجَّحَ بَعْضُهُمُ الْأَوَّلَ بِأَنَّ أَسْمَاءَ الْجِمَاعِ كُلَّهَا كِنَايَاتٌ لِاسْتِقْبَاحِ ذِكْرِهِ فَيَبْعُدُ أَنْ يَسْتَعِيرَ مَنْ لَا يَقْصِدُ فُحْشًا اسْمَ مَا يَسْتَفْظِعُهُ لِمَا لَا يَسْتَفْظِعُهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي الْأَصْلِ لِلْعَقْدِ وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَسْلِيمِ الْمُدَّعِي أَنَّهَا كُلَّهَا كِنَايَاتٌ وَقَدْ جمع اسْم النِّكَاح بن الْقَطَّاعِ فَزَادَتْ عَلَى الْأَلْفِ قَوْلُهُ بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء زَادَ الْأَصِيلِيُّ وَأَبُو الْوَقْتِ الْآيَةَ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهَا صِيغَةُ أَمْرٍ تَقْتَضِي الطَّلَبَ وَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ النَّدْبُ فَثَبَتَ التَّرْغِيبُ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ لَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ لِبَيَانِ مَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ مِنْ أَعْدَادِ النِّسَاءِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ انْتَزَعَ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرِ بِنِكَاحِ الطَّيِّبِ مَعَ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْ تَرْكِ الطَّيِّبِ وَنِسْبَةِ فَاعِلِهِ إِلَى الِاعْتِدَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدوا وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي النِّكَاحِ فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ لَيْسَ عِبَادَةً وَلِهَذَا لَوْ نَذَرَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ هُوَ عِبَادَةٌ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيهَا النِّكَاحُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ تَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ حِينَئِذٍ عِبَادَةً فَمَنْ نَفَى نَظَرَ إِلَيْهِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَمَنْ أَثْبَتَ نَظَرَ إِلَى الصُّورَة الْمَخْصُوصَة ثمَّ ذكرالمصنف فِي الْبَاب حديثين الأول حَدِيثُ أَنَسٍ وَهُوَ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ لَكِنْ مِنْ طَرِيقَيْنِ إِلَى أَنَسٍ

    [رقم الحديث عند عبدالباقي:4793 ... ورقمه عند البغا:5063] قَوْلُهُ جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ كَذَا فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَالرَّهْطُ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ وَالنَّفَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى تِسْعَةٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا اسْمُ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورِينَ هُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعُثْمَان بن مَظْعُون وَعند بن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْعَدَنِيِّ كَانَ عَلِيٌّ فِي أُنَاسٍ مِمَّنْ أَرَادُوا أَنْ يُحَرِّمُوا الشَّهَوَاتِ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الْمَائِدَةِ وَوَقَعَ فِي أَسْبَابِ الْوَاحِدِيِّ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ النَّاسَ وَخَوَّفَهُمْ فَاجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعلي وبن مَسْعُودٍ وَأَبُو ذَرٍّ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَالْمِقْدَادُ وَسَلْمَانُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمَعْقِلُ بْنُ مُقَرِّنٍ فِي بَيْتِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَصُومُوا النَّهَارَ وَيَقُومُوا اللَّيْلَ وَلَا يَنَامُوا عَلَى الْفُرُشِ وَلَا يَأْكُلُوا اللَّحْمَ وَلَا يَقْرَبُوا النِّسَاءَ وَيَجُبُّوا مَذَاكِيرَهُمْ فَإِنْ كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الرَّهْطُ الثَّلَاثَةُ هُمُ الَّذِينَ بَاشَرُوا السُّؤَالَ فَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ بِخُصُوصِهِمْ تَارَةً وَنُسِبَ تَارَةً لِلْجَمِيعِ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي طَلَبِهِ وَيُؤَيِّدُ أَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي الْجُمْلَةِ مَا رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ عَقَارَهُ فَيَجْعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيُجَاهِدَ الرُّومَ حَتَّى يَمُوتَ فَلَقِيَ نَاسًا بِالْمَدِينَةِ فَنَهَوْهُ عَنْ ذَلِكَ وَأَخْبَرُوهُ أَنَّ رَهْطًا سِتَّةً أَرَادُوا ذَلِكَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَاهُمْ فَلَمَّا حَدَّثُوهُ ذَلِكَ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ وَكَانَ قَدْ طَلَّقَهَا يَعْنِي بِسَبَبِ ذَلِكَ لَكِنْ فِي عَدِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَعَهُمْ نَظَرٌ لِأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَا أَحْسَبُ قَوْلُهُ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ عَلْقَمَةَ فِي السِّرِّ قَوْلُهُ كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا بِتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَضْمُومَةِ أَيِ اسْتَقَلُّوهَا وَأَصْلُ تَقَالُّوهَا تَقَالَلُوهَا أَيْ رَأَى كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّهَا قَلِيلَةٌ قَوْلُهُ فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ وَالْكُشْمِيهَنِيِّ قَدْ غُفِرَ لَهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِحُصُولِ ذَلِكَ لَهُ يُحْتَاجُ إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْعِبَادَةِ عَسَى أَنْ يَحْصُلَ بِخِلَافِ مَنْ حَصَلَ لَهُ لَكِنْ قَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ فَأَشَارَ إِلَى هَذَا بِأَنَّهُ أَشَدُّهُمْ خَشْيَةً وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِمَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ فِي جَانِبِ الرُّبُوبِيَّةِ وَأَشَارَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَالْمُغِيرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ إِلَى مَعْنًى آخَرَ بِقَوْلِهِ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا قَوْلُهُ فَقَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَأَنَا أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا هُوَ قيد لِليْل لَا لأصلي وَقَوله فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا أَكَّدَ الْمُصَلِّي وَمُعْتَزِلَ النِّسَاءِ بِالتَّأْبِيدِ وَلَمْ يُؤَكِّدِ الصِّيَامَ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فِطْرِ اللَّيَالِي وَكَذَا أَيَّامُ الْعِيدِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا آكُلُ اللَّحْمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَنَامُ عَلَى الْفِرَاشِ وَظَاهِرُهُ مِمَّا يُؤَكِّدُ زِيَادَةَ عَدَدِ الْقَائِلِينَ لِأَنَّ تَرْكَ أَكْلِ اللَّحْمِ أَخَصُّ مِنْ مُدَاوَمَةِ الصِّيَامِ وَاسْتِغْرَاقَ اللَّيْلِ بِالصَّلَاةِ أَخَصُّ مِنْ تَرْكِ النَّوْمِ عَلَى الْفِرَاشِ وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِضُرُوبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ قَوْلُهُ فَجَاءَ إِلَيْهِمْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ عُمُومًا جَهْرًا مَعَ عَدَمِ تَعْيِينِهِمْ وَخُصُوصًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ رِفْقًا بِهِمْ وَسَتْرًا لَهُمْ قَوْلُهُ أَمَا وَاللَّهِ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ حَرْفُ تَنْبِيهٍ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْخَبَرِ أَمَّا أَنَا فَإِنَّهَا بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ لِلتَّقْسِيمِ قَوْلُهُ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى رَدِّ مَا بَنَوْا عَلَيْهِ أَمْرَهُمْ مِنْ أَنَّ الْمَغْفُورَ لَهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدٍ فِي الْعِبَادَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ يُبَالِغُ فِي التَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَةِ أَخْشَى لِلَّهِ وَأَتْقَى مِنَ الَّذِينَ يُشَدِّدُونَ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشَدِّدَ لَا يَأْمَنُ مِنَ الْمَلَلِ بِخِلَافِ الْمُقْتَصِدِ فَإِنَّهُ أَمْكَنُ لِاسْتِمْرَارِهِ وَخَيْرُ الْعَمَلِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَقَدْ أَرْشَدَ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الْمُنْبَتُّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ شَيْءٌ مِنْهُ قَوْلُهُ لَكِنِّي اسْتِدْرَاكٌ مِنْ شَيْءٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ أَيْ أَنَا وَأَنْتُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُبُودِيَّةِ سَوَاءٌ لَكِنْ أَنَا أَعْمَلُ كَذَا قَوْلُهُ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي الْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةُ لَا الَّتِي تُقَابِلُ الْفَرْضَ وَالرَّغْبَةُ عَنِ الشَّيْءِ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ وَالْمُرَادُ مَنْ تَرَكَ طَرِيقَتِي وَأَخَذَ بِطَرِيقَةِ غَيْرِي فَلَيْسَ مِنِّي وَلَمَّحَ بِذَلِكَ إِلَى طَرِيقِ الرَّهْبَانِيَّةِ فَإِنَّهُمُ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا التَّشْدِيدَ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ عابهم بِأَنَّهُم مَا وفوه بِمَا التمزموه وَطَرِيقَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ فَيُفْطِرُ لِيَتَقَوَّى عَلَى الصَّوْمِ وَيَنَامُ لِيَتَقَوَّى عَلَى الْقِيَامِ وَيَتَزَوَّجُ لِكَسْرِ الشَّهْوَةِ وَإِعْفَافِ النَّفْسِ وَتَكْثِيرِ النَّسْلِ وَقَوْلُهُ فَلَيْسَ مِنِّي إِنْ كَانَتِ الرَّغْبَة بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ يُعْذَرُ صَاحِبُهُ فِيهِ فَمَعْنَى فَلَيْسَ مِنِّي أَيْ عَلَى طَرِيقَتِي وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْمِلَّةِ وَإِنْ كَانَ إِعْرَاضًا وَتَنَطُّعًا يُفْضِي إِلَى اعْتِقَادِ أَرْجَحِيَّةِ عَمَلِهِ فَمَعْنَى فَلَيْسَ مِنِّي لَيْسَ عَلَى مِلَّتِي لِأَنَّ اعْتِقَادَ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الْكُفْرِ وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى فَضْلِ النِّكَاحِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ وَفِيهِ تَتَبُّعُ أَحْوَالِ الْأَكَابِرِ لِلتَّأَسِّي بِأَفْعَالِهِمْ وَأَنَّهُ إِذَا تَعَذَّرَتْ مَعْرِفَتُهُ مِنَ الرِّجَالِ جَازَ اسْتِكْشَافُهُ مِنَ النِّسَاءِ وَأَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى عَمَلِ بِرٍّ وَاحْتَاجَ إِلَى إِظْهَارِهِ حَيْثُ يَأْمَنُ الرِّيَاءَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَمْنُوعًا وَفِيهِ تَقْدِيمُ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى الله عِنْد الْفَاء مَسَائِلِ الْعِلْمِ وَبَيَانُ الْأَحْكَامِ لِلْمُكَلَّفِينَ وَإِزَالَةُ الشُّبْهَةِ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ وَأَنَّ الْمُبَاحَاتِ قَدْ تَنْقَلِبُ بِالْقَصْدِ إِلَى الْكَرَاهَةِ وَالِاسْتِحْبَابِ وَقَالَ الطَّبَرِيُّ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ مَنَعَ اسْتِعْمَالَ الْحَلَالِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالْمَلَابِسِ وَآثَرَ غَلِيظَ الثِّيَابِ وَخَشِنَ الْمَأْكَلِ قَالَ عِيَاضٌ هَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ فَمِنْهُمْ من نجا إِلَى مَا قَالَ الطَّبَرِيُّ وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا قَالَ وَالْحَقُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الْكُفَّارِ وَقَدْ أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَمْرَيْنِ قُلْتُ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ وَالْحَقُّ أَنَّ مُلَازَمَةَ اسْتِعْمَالِ الطَّيِّبَاتِ تُفْضِي إِلَى التَّرَفُّهِ وَالْبَطَرِ وَلَا يَأْمَنُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ لِأَنَّ مَنِ اعْتَادَ ذَلِكَ قَدْ لَا يَجِدُهُ أَحْيَانًا فَلَا يَسْتَطِيعُ الِانْتِقَالَ عَنْهُ فَيَقَعُ فِي الْمَحْظُورِ كَمَا أَنَّ مَنْعَ تَنَاوُلِ ذَلِكَ أَحْيَانًا يُفْضِي الىالتنطع الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطيبات من الرزق كَمَا أَنَّ الْأَخْذَ بِالتَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَةِ يُفْضِي إِلَى الْمَلَلِ الْقَاطِعِ لِأَصْلِهَا وَمُلَازَمَةَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْفَرَائِضِ مَثَلًا وَتَرْكَ التَّنَفُّلِ يُفْضِي إِلَى إِيثَارِ الْبَطَالَةِ وَعَدَمِ النَّشَاطِ إِلَى الْعِبَادَةِ وَخَيْرُ الْأُمُورِ الْوَسَطُ وَفِي قَوْلِهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَيْهِ إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ وَفِيهِ أَيْضًا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِاللَّهِ وَمَعْرِفَةَ مَا يَجِبُ مِنْ حَقِّهِ أَعْظَمُ قَدْرًا مِنْ مُجَرّد الْعِبَادَة الْبَدَنِيَّة وَالله أعلم الحَدِيث الثَّانِي

    كتاب النكاح
    هو لغة الضم والتداخل. وقال المطرّزي والأزهري: هو الوطء حقيقة، ومنه قول الفرزدق: إذا سقى الله قومًا صوب غادية ... فلا سقى الله أرض الكوفة المطرا التاركين على طهر نساءهم ... والناكحين بشطي دجلة البقرا وهو مجاز في العقد لأن العقد فيه ضم، والنكاح هو الضم حقيقة قال: ضممت إلى صدري معطر صدرها ... كما نكحت أُم العلاء صبيها أي: كما ضمت أو لأنه سببه فجازت الاستعارة لذلك، وقال بعضهم: أصله لزوم شيء لشيء، مستعليًا عليه ويكون في المحسوسات، وفي المعاني قالوا: انكح المطر الأرض، ونكح النعاس عينه، ونكحت القمح في الأرض إذا حرثتها وبذرته فيها، ونكحت الحصاة أخفاف الإبل. قال المتنبي: أنكحت صم حصاها خف يعملة ... تغشمرت بي إليك السهل والجبلا يقال: أنكحوا الحصى أخفاف الإبل إذا ساروا، واليعملة الناقة النجيبة المطبوعة على العمل، والتغشمر الأخذ قهرًا. وقال الفراء: العرب تقول نكح المرأة بضم النون بعضها وهو كناية عن الفرج، فإذا قالوا نكحها أرادوا أصاب نكحها. وقال ابن جني: سألت أبا علي الفارسي عن قولهم نكحها؟ فقال: فرقت العرب فرقًا لطيفًا يعرف به موضع العقد من الوطء فإذا قالوا: نكح فلان فلانة أو بنت فلان أو أخته أرادوا تزوّجها وعقد عليها، وإذا قالوا نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا إلا المجامعة لأن بذكر المرأة أو الزوجة يستغني عن العقد واختلف أصحابنا في حقيقته على ثلاثة أوجه حكاها القاضي حسين في تعليقه. أصحها أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء وهو الذي صححه القاضي أبو الطيب وقطع به المتولي وغيره واحتج له بكثرة وروده في الكتاب والسُّنّة للعقد حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد ولا يرد مثل قوله حتى تنكح زوجًا غيره لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسُّنَّة وإلاّ فالعقد لا بدّ منه لأن قوله تعالى: {حتى تنكح} [البقرة: 230] معناه حتى تتزوج أي يعقد عليها ومفهومه أن ذلك كافٍ بمجرده لكن ثبتت السُّنَّة أن لا عبرة بمفهوم الغاية بل لا بدّ بعد العقد من ذوق العسيلة. قال ابن فارس: لم يرد النكاح في القرآن إلا للتزويج إلا قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح} [النساء: 6] فإن المراد به الحلم. والثاني: أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد وهو مذهب الحنفية. والثاني: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك ويتعين المقصود بالقرينة كما مرّ عن أبي علي، وذكر ابن القطاع للنكاح أكثر من ألف اسم وفوائده كثيرة منها: أنه سبب لوجود النوع الإنساني، ومنها قضاء الوطر بنيل اللذة والتمتع بالنعمة وهذه هي الفائدة التي في الجنة إذ لا تناسل فيها، ومنها غض البصر وكفّ النفس عن الحرام إلى غير ذلك.

    باب التَّرْغِيبُ فِي النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
    {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}
    (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا للنسفي تقديم البسملة، وعند رواة الفربري تأخيرها ولأبي ذر سقوطها (باب الترغيب) ولأبي ذر: باب الترغيب (في النكاح لقوله تعالى): ولأبي ذر لقول الله عز وجل: ({فانكحوا ما طاب لكم من النساء}) [النساء: 6] زاد أبو الوقت والأصيلي الآية، والأمر يقتضي الطلب وأقل درجاته الندب فثبت الترغيب وقول داود وأتباعه من أهل الظاهر أنه فرض عين على القادر على الوطء والإنفاق تمسكًا بالآية. وقوله عليه الصلاة والسلام لعكاف بن وداعة الهلالي: "ألك زوجة يا عكاف" قال: لا. قال: "ولا جارية" قال: لا. قال: "وأنت صحيح موسر" قال: نعم والحمد لله. قال: "فأنت إذًا من إخوان الشياطين إما أن تكون من رهبان النصارى فأنت منهم وإما أن تكون منا فاصنع كما نصنع فإن من سُنّتنا النكاح شراركم عزابكم وأراذل أمواتكم عزّابكم. ويحك يا عكاف تزوّج" فقال عكاف: يا رسول الله لا أتزوّج حتى تزوّجني مَن شئت. قال: فقال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "فقد زوّجتك على اسم الله والبركة كريمة كلثوم الحميري". رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده من طريق بقية فهو إيجاب على معين فيجوز أن يكون سبب الوجوب تحقق في حقه، والآية لم تسق إلا لبيان العدد المحلل على ما عرف في الأصول.

    [ رقم الحديث عند عبدالباقي:4793 ... ورقمه عند البغا: 5063 ]
    - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -رضي الله عنه- يَقُولُ: جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: «أَنْتُمُ
    الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».
    وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الجمحي مولاهم البصري قال: (أخبرنا محمد بن جعفر) أي ابن أبي كثير المدني قال: (أخبرنا) ولأبي الوقت: أخبرني بالإفراد (حميد بن أبي حميد الطويل) اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال (أنه سمع أنس بن مالك -رضي الله عنه- يقول: جاء ثلاثة رهط) اسم جمع لا واحد له من لفظه، والثلاثة علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعثمان بن مظعون كما في مرسل سعيد بن المسيب عند عبد الرزاق (إلى بيوت أزواج النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يسألون عن عبادة النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فلما أخبروا) بضم الهمزة وكسر الموحدة مبنيًّا للمفعول بذلك (كأنهم تقالوها)، بتشديد اللام المضمومة عدّوها قليلة (فقالوا: وأين نحن من النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قد غفر له) بضم الغين ولابن عساكر وأبوي الوقت وذر عن المستملي قد غفر الله له (ما تقدّم من ذنبه وما تأخر. قال) ولأبوي الوقت وذر فقال (أحدهم: أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم للتفضيل (أنا فإني) ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني: فأنا (أصلي الليل أبدًا) قيد لليل لا لقوله أصلي (وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر). بالنهار سوى العيدين وأيام التشريق ولذا لم يقيده بالتأبيد (وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) زاد الأربعة لفظ إليهم (فقال) لهم:
    (أنتم الذين قلتم كذا وكذا. أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف تنبيه (والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له)، قال في الفتح: فيه إشارة إلى ردّ ما بنوا عليه أمرهم من أن المغفور له لا يحتاج إلى مزيد في العبادة بخلاف غيره فأعلمهم أنه مع كونه لا يبالغ في التشديد في العبادة أخشى لله وأتقى من الذين يشدّدون، وإنما كان كذلك لأن المشدّد لا يأمن من الملل بخلاف المقتصد فإنه أمكن لاستمراره وخير العمل ما داوم عليه صاحبه انتهى.
    فالنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وإن أعطي قوى الخلق في العبادات لكن قصده التشريع وتعليم أمته الطريق التي لا يمل بها صاحبها. وقال ابن المنير: إن هؤلاء بنوا على أن الخوف الباعث على العبادة ينحصر في خوف العقوبة فلما علموا أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مغفور له ظنوا أن لا خوف وحملوا قلة العبادة على ذلك، فردّ عليه الصلاة والسلام عليهم ذلك وبيّن أن لا خوف الإجلال أعظم من الإكثار المحقق الانقطاع لأن الدائم وإن قل أكثر من الكثير إذا انقطع وفيه دليل على صحة مذهب القاضي حيث قال: لو أوجب الله شيئًا لوجب وإن لم يتوعد بعقوبة على تركه وهو مقام الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- التعبد على الشكر وعلى الإجلال لا على خوف العقوبة فإنه منه في عصمة.
    (لكني) استدراك من محذوف دلّ عليه السياق تقريره أنا وأنتم بالنسبة إلى العبودية سواء لكن أنا (أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوّج النساء فمن رغب) أعرض (عن سُنّتي) طريقتي وتركها (فليس مني) إذا كان غير معتقد لها والسُّنَّة مفرد مضاف يعم على الأرجح فيشمل الشهادتين وسائر
    أركان الإسلام فيكون المعرض عن ذلك مرتدًّا وكذا إن كان الإعراض تنطعًا يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله، وأما إن كان ذلك بضرب من التأويل كالورع لقيام شبهة في ذلك الوقت أو عجزًا عن القيام بذلك أو لمقصود صحيح فيعذر صاحبه.
    وفيه الترغيب في النكاح، وقد اختلف هل هو من العبادات أو المباحات فقال الحنفية: هو سُنّة مؤكدة على الأصح. وقال الشافعية: من المباحات. قال القمولي في شرح الوسيط المسمى بالبحر في باب النكاح فرع نص الإمام على أن النكاح من الشهوات لا من القربات. وإليه أشار الشافعي في الأم حيث قال: قال الله تعالى: {زين للناس حبِّ الشهوات من النساء} [آل عمران: 14] وقال عليه الصلاة والسلام: "حبب إليَّ من دنياكم الطيب، والنساء"، وابتغاء النسل به، أمر مظنون ثم لا يدري أصالح أم طالح انتهى.
    وقال النووي: إن قصد به طاعة كاتباع السُّنّة أو تحصيل ولد صالح أو عفة فرجه أو عينه فهو من أعمال الآخرة يُثاب عليه وهو للتائق أي المحتاج له ولو خصيًا القادر على مؤونة أفضل من التخلي للعبادة تحصينًا للدين ولما فيه من إبقاء النسل والعاجز عن مؤونة يصوم والقادر غير التائق إن تخلى للعبادة فهو أفضل من النكاح وإلا فالنكاح أفضل له من تركه لئلا تُفضي به البطالة الى الفواحش انتهى.
    وقد تعقب الشيخ كمال الدين بن الهمام قولهم التخلي للعبادة أفضل فقال: حقيقة أفضل تنفي كونه مباحًا إذ لا فضل في المباح والحق أنه إن اقترن بنيّة كان ذا فضل والتجرّد عند الشافعي أفضل لقوله تعالى: {وسيدًا وحصورًا} [آل عمران: 39] مدح يحيى عليه السلام بعدم إتيان النساء مع القدرة عليه لأن هذا معنى الحصور وحينئذٍ فإذا استدل عليه بمثل قوله عليه الصلاة والسلام: "أربع من سنن المرسلين. الحياء، والتعطر، والسواك، والنكاح" رواه الترمذي وقال حسن غريب. فله أن يقول في الجواب لا أنكر الفضيلة مع حسن النيّة، وإنما أقول التخلي للعبادة أفضل فالأولى في جوابه التمسك بحاله عليه الصلاة والسلام في نفسه ورده على من أراد من أمته التخلي للعبادة فإنه صريح في عين المتنازع فيه يعني حديث هذا الباب، فإنه عليه الصلاة والسلام رد هذا الحال ردًّا مؤكدًا حتى تبرأ منه، وبالجملة فالأفضلية في الاتباع لا فيما تخيل النفس أنه أفضل نظرًا إلى ظاهر عبادة أو توجه ولم يكن الله عز وجل يرضى لأشرف أنبيائه إلا بأشرف الأحوال وكان حاله إلى الوفاة النكاح فيستحيل أن يقرّه على ترك الأفضل مدة حياته، وحال يحيى عليه السلام كان أفضل في تلك الشريعة، وقد نسخت الرهبانية في ملتنا ولو تعارضا قدم التمسك بحال نبينا عليه الصلاة والسلام، ومن تأمل ما يشتمل عليه النكاح من تهذيب الأخلاق وتربية الولد والقيام بمصالح المسلم العاجز عن القيام بها وإعفاف المحرم ونفسه ودفع الفتنة عنه وعنهنّ إلى غير ذلك من الفرائض الكثيرة لم يكد يقف عن الجزم بأنه أفضل من التخلي بخلاف ما إذا عارضه خوف جور إذ الكلام ليس فيه بل في الاعتدال مع أداء الفرائض والسُّنن، وذكرنا أنه إذا لم تقترن
    به نيّة كان مباحًا لأن المقصود منه حينئذ مجرّد قضاء الشهوة ومبنى العبادة على خلافه ثم قال: وأقول بل فيه فضل من جهة أنه كان متمكّنًا من قضائها بغير الطريق المشروع فالعدول إليه مع ما يعلمه من أنه قد يستلزم أثقالًا فيه قصد ترك المعصية وعليه يُثاب انتهى.

    (كِتابُ النِّكاحِ)
    أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام النِّكَاح، قَالَ الْأَزْهَرِي: أصل النِّكَاح فِي كَلَام الْعَرَب، الْوَطْء، وَقيل للتزويج: نِكَاح لِأَنَّهُ سَبَب الْوَطْء، وَقَالَ الزجاجي: هُوَ فِي كَلَام الْعَرَب الْوَطْء وَالْعقد جَمِيعًا، وَفِي الْمغرب: وَقَوْلهمْ النِّكَاح الضَّم مجَاز، وَفِي المغيث: النِّكَاح التَّزْوِيج، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: اشْتهر إِطْلَاقه على العقد، وَحَقِيقَته عِنْد الْفُقَهَاء على ثَلَاثَة أوجه حَكَاهَا القَاضِي حُسَيْن: أَصَحهَا: أَنه حَقِيقَة فِي العقد مجَاز فِي الوطىء. وَهُوَ الَّذِي صَححهُ أَبُو الطّيب وَبِه قطع الْمُتَوَلِي وَغَيره الثَّانِي: أَنه حَقِيقَة فيالوطء مجَاز فِي العقد وَبِه، قَالَ أَبُو حنيفَة. وَالثَّالِث: أَنه حَقِيقَة فيهمَا بالاشتراك. وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: فرقت الْعَرَب بَينهمَا فرقا لطيفا، فَإِذا قَالُوا: نكح فُلَانَة أَو بنت فُلَانَة أَو أُخْته، أَرَادوا عقد عَلَيْهَا، وَإِذا قَالُوا: أنكح امْرَأَته أَو زَوجته لم يُرِيدُوا إلاَّ الْوَطْء، لِأَن بِذكر امْرَأَته أَو زَوجته يسْتَغْنى عَن ذكر العقد، وَقَالَ الْفراء: الْعَرَب تَقول: نكح الْمَرْأَة بِضَم النُّون بضعهَا، وَهِي كِنَايَة عَن الْفرج، فَإِذا قَالُوا: نَكَحَهَا أَرَادوا: أصَاب نَكَحَهَا، وَهُوَ فرجهَا. وَفِي الْمُحكم: النِّكَاح الْبضْع وَذَلِكَ فِي نوع الْإِنْسَان خَاصَّة، وَاسْتَعْملهُ ثَعْلَب فِي الذئاب، نَكَحَهَا ينْكِحهَا نكحا ونكاحا، وَلَيْسَ فِي الْكَلَام فعل يفعل مِمَّا لَام الْفِعْل مِنْهُ حاء إلاَّ ينْكح وينطح ويمنح وينضح وينبح ويرجح ويأنح ويأزح ويملح الْقدر، وَالِاسْم: النكح، والنكح ونكحها الَّذِي يَتَزَوَّجهَا وَهِي نكحته، وَامْرَأَة كح ذَات زوج وَقد جَاءَ فِي الشّعْر: ناكحة على الْفِعْل، واستنكحها كنكحها. قلت: هَذِه الْأَفْعَال الَّتِي قَالُوا إِنَّهَا جَاءَت على: يفعل، بِكَسْر الْعين يَعْنِي فِي الْمُضَارع قد جَاءَ مِنْهَا بِفَتْح الْعين أَيْضا فِي الْمُضَارع. قَالَ الْجَوْهَرِي: نطحه الْكَبْش يَنْطَحُهُ وينطحه بِكَسْر عين الْفِعْل وَفتحهَا، ومنحه يمنحه من الْمنح وَهُوَ الْعَطاء، وَيُقَال: نضحت الْقرْبَة بِالْفَتْح، قَالَه الْجَوْهَرِي، ونبح الْكَلْب ينبح بِالْفَتْح وينبح بِالْكَسْرِ نبحا ونبيحا ونباحا ونباحا بِالضَّمِّ وَالْكَسْر، وَرجع الْمِيزَان يرجع بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح وَيرجع بِالضَّمِّ، وَيُقَال: أنح الرجل يأنح بِالْكَسْرِ أنحا وأنيحا وأنوحا: إِذا ضجر من ثقل يجده من مرض أَو بهر كَأَنَّهُ يتنخنخ وَلَا يبين، وأزح الرجل يأزح أزوحا بالزاي: إِذا تفيض، وملحت الْقدر يملحها بِالْفَتْح وَالْكَسْر ملحا بِالْفَتْح إِذا طرحت فِيهَا من الْملح بِقدر، وَإِذا قلت: أملحت الْقدر إِذا أكثرت فِيهَا الْملح حَتَّى فَسدتْ. وَفِي التَّوْضِيح؛ وللنكاح عدَّة أَسمَاء جمعهاأبو الْقَاسِم اللّغَوِيّ فبلغت ألف اسْم وَأَرْبَعين اسْما.

    (بابُُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكاح لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: { فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء} (النِّسَاء: 3)

    أَي: هَذَا بابُُ فِي التَّرْغِيب فِي النِّكَاح: وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى: {فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء} (النِّسَاء: 3) زَاد الْأصيلِيّ وَأَبُو الْوَقْت الْآيَة. قَالَ بَعضهم: وَجه الِاسْتِدْلَال أَنَّهَا صِيغَة أَمر تَقْتَضِي الطّلب. وَأَقل درجاته النّدب فَيثبت التَّرْغِيب، انْتهى. قلت: لَا دلَالَة فِيهِ على التَّرْغِيب أصلا. لِأَن الْآيَة سيقت لبَيَان مَا يجوز الْجمع بَينه من أعداد النِّسَاء. وَقَوله: (يَقْتَضِي الطّلب) كَلَام من لم يذقْ شَيْئا من الْأُصُول، فَإِن الْأَمر إِبَاحَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا حللتم فاصطادوا} (الْمَائِدَة: 2) ، وَهل يُقَال: طلب الله مِنْهُ النِّكَاح، أَو طلب مِنْهُ الصَّيْد غَايَة مَا فِي الْبابُُ أَنه أَبَاحَ النِّكَاح بِالْعدَدِ الْمَذْكُور، وأباح الصَّيْد بعد التَّحْلِيل من الْإِحْرَام، ثمَّ بنى هَذَا الْقَائِل على هَذَا الْكَلَام الواهي. قَوْله: وَأَقل دجاته النّدب، فَيثبت التَّرْغِيب.


    [ رقم الحديث عند عبدالباقي:4793 ... ورقمه عند البغا:5063 ]
    - حدَّثنا سَعيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ جعْفَرٍ أخبرنَا حُمَيْدُ بنُ الطَّوِيلُ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ، رَضِي الله عَنهُ، يَقُولُ: جاءَ ثلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أزْوَاجِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَسألُونَ عنْ عِبَادَةِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فلَمَّا أُخْبِرُوا كأنَّهُمْ تَقالُّوها، فقالُوا: وَأيْنَ نَحْنُ مِنَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَدْ غُفِرَ لهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تأخَّرَ. قَالَ أحَدُهُمْ: أمَّا أَنا فإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبدا، وَقَالَ آخَرُ: أَنا أصومُ الدَّهْرَ وَلَا أَفْطِرُ، وَقَالَ أخَرُ: أَنا أعْتَزِلُ النِّساءَ فَلاَ أَتَزَوَّجَ أبَدا، فَجاءَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: أنْتُمُ الَّذين قُلتُمْ كَذَا وكَذَا؟ أما وَالله إنِّي لَأخْشاكُمْ لِلَّهِ، وأتْقاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أصُومُ وأفْطِرُ وأصَلِّي وأرْقُدُ وأتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عنْ سُنَّتي فَليْسَ مِنِّي.
    مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني) . قَوْله: (ثَلَاثَة رَهْط) وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث ثَابت عَن أنس: أَن نَفرا من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَالْفرق بَين الرَّهْط والنفر أَن الرَّهْط من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة، والنفر من ثَلَاثَة إِلَى تِسْعَة، وكل مِنْهُمَا اسْم جمع لَا وَاحِد لَهُ، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا من حَيْثُ الْمَعْنى، وَوَقع فِي مُرْسل سعيد بن الْمسيب من رِوَايَة عب الرَّزَّاق: أَن الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين هم: عَليّ بن أبي طَالب. وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَعُثْمَان بن مَظْعُون. قَوْله: (يسْأَلُون عَن عبَادَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَفِي رِوَايَة مُسلم: عَن عمله فِي السِّرّ، قَوْله: (فَلَمَّا أخبروا) بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (تقالوها) بتَشْديد اللَّام المضمومة أَي: عدوها قَليلَة، وَأَصله: تقاللوا فأدغمت اللَّام فِي اللَّام لِاجْتِمَاع المثلين. قَوْله: (قد غفر لَهُ) على صِيغَة الْمَجْهُول. هَذَا فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ والكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: غفر الله لَهُ. قَوْله: (أما أَنا) بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْمِيم للتفصيل. قَوْله: (أبدا) ، قيد لِليْل لَا لقَوْله: أُصَلِّي. قَوْله: (وَلَا أفطر) ، أَي: بِالنَّهَارِ سوى أَيَّام الْعِيد والتشريق وَلِهَذَا لم يُقيد بالتأبيد. قَوْله: (فجَاء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) فَقَالَ: وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَبلغ ذَلِك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ: مَا بَال أَقوام قَالُوا كَذَا. . والتوفيق بَينهمَا بِأَنَّهُ منع من ذَلِك عُمُوما جَهرا مَعَ عدم تعيينهم، وخصوصا فِيمَا بَينه وَبينهمْ رفقا بهم، وسترا عَلَيْهِم. قَوْله: (أما وَالله) بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم حرف تَنْبِيه. قَوْله: (إِنِّي لأخشاكم لله وأتقاكم لَهُ) يَعْنِي: أَكثر خشيَة وَأَشد تقوى، وَفِيه رد لما بنوا عَلَيْهِ أَمرهم من أَن المغفور لَا يحْتَاج إِلَى مزِيد فِي الْعِبَادَة، بِخِلَاف غَيره، فأعلمهم أَنه مَعَ كَونه يشدد فِي الْعِبَادَة غَايَة الشدَّة أخْشَى لله وَأتقى من الَّذين يشددون. قَوْله: (لكني) اسْتِدْرَاك من شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره أَنا وَأَنْتُم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُبُودِيَّة سَوَاء، لَكِن أَنا أَصوم إِلَى آخِره. قَوْله: (فَمن رغب عَن سنتي) أَي: فَمن أعرض عَن طريقتي (فَلَيْسَ مني) أَي: لَيْسَ على طريقتي، وَلَفظ رغب إِذا اسْتعْمل بِكَلِمَة: عَن فَمَعْنَاه: أعرض. وَإِذا اسْتعْمل بِكَلِمَة: فِي، فَمَعْنَاه أقبل إِلَيْهِ، وَالْمرَاد بِالسنةِ الطَّرِيقَة وَهِي أَعم من الْفَرْض وَالنَّفْل، بل الْأَعْمَال والعقائد وَكلمَة: من فِي مني، اتصالية أَي: لَيْسَ مُتَّصِلا بِي قَرِيبا مني.
    وَفِيه: أَن النِّكَاح من سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَزعم الْمُهلب أَنه من سنَن الْإِسْلَام، وَأَنه لَا رَهْبَانِيَّة فِيهِ. وَأَن من تَركه رَاغِبًا عَن سنَنه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَهُوَ مَذْمُوم مُبْتَدع وَمن تَركه من أجل أَنه أرْفق لَهُ وأعون على الْعِبَادَة فَلَا ملامة عَلَيْهِ، وَزعم دَاوُد وَمن تبعه أَنه وَاجِب. وَأَن الْوَاجِب عِنْدهم العقد لَا الدُّخُول فَإِنَّهُ إِنَّمَا يجب عِنْدهم فِي الْعُمر مرّة، وَعند أَكثر الْعلمَاء هُوَ مَنْدُوب إِلَيْهِ وَعند أَحْمد فِي رِوَايَة: يلْزمه الزواج أَو التَّسَرِّي إِذا خَافَ الْعَنَت، وَغَيره لم يشْتَرط خوف الْعَنَت. فَإِن قلت: ظَاهر الْآيَة يدل على وُجُوبه؟ قلت: حصل الْجَواب عَنهُ بِمَا ذَكرْنَاهُ فِي أول الْبابُُ، وَأَيْضًا فَإِن آخر الْآيَة وَهُوَ قَوْله: {أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم} (النِّسَاء: 3) وينافي الْوُجُوب، وَذَلِكَ لِأَن فِيهِ التَّخْيِير بَين النِّكَاح والتسري، فالتسري لَا يجب بالِاتِّفَاقِ، فكذالك النِّكَاح لِأَنَّهُ لَا يَصح التَّخْيِير بَين وَاجِب وَغَيره، وَعند الشَّافِعِي: التخلي لِلْعِبَادَةِ أفضل لقَوْله عز وَجل فِي يحيى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَهُوَ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاء مَعَ الْقُدْرَة على إتيانهن، فمدح الله بِهِ، وَلَو كَانَ النِّكَاح أفضل مَا مدح بِهِ وَالْجَوَاب عَنهُ أَن الشَّافِعِي لَا يرى شرع من قبلنَا شرعا لنا، فَكيف يحْتَج بِمَا لَا يرَاهُ؟ وَنحن نقُول: شرع لنا مَا لم ينص الله على إِنْكَاره. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن النِّكَاح مُعَاملَة فَلَا فضل لَهَا على الْعِبَادَة. قُلْنَا: هَذَا نظر إِلَى ظَاهره دون مَعْنَاهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَن ينظر إِلَى الصُّور وَيتْرك الْمعَانِي، فَإِنَّهُ لَيْسَ من أَصله ذَلِك، وَلَو كَانَ التخلي لِلْعِبَادَةِ خيرا من النِّكَاح نظرا إِلَى صورته مَا قطع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَحكم الصُّورَة بِالسنةِ، وَلَيْسَ فِي مدح حَال يحيى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَا يدل على أَنه أفضل من النِّكَاح، فَإِن مدح الصّفة فِي ذَاتهَا لَا يَقْتَضِي ذمّ غَيرهَا ذَلِك أَن النِّكَاح لم يفضل على التخلي لِلْعِبَادَةِ بصورته، وَإِنَّمَا تميز عَنهُ بِمَعْنَاهُ فِي تحصين النَّفس، وَبَقَاء الْوَلَد الصَّالح وَتَحْقِيق الْمِنَّة فِي النّسَب والصهر، فقضاء الشَّهْوَة فِي النِّكَاح لَيْسَ مَقْصُودا فِي ذَاته، وَإِنَّمَا أكد النِّكَاح بِالْأَمر قولا، وأكده بِخلق الشَّهْوَة خلقَة حَتَّى يكون ذَلِك أدعى للوفاء بمصالحه، والتيسير بمقاصده، وَهَذَا أَمر تفطن لَهُ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَمن قَالَ بقوله: وَمن الثَّابِت برهانه على فَضِيلَة النِّكَاح أَنه يجوز مَعَ الْإِعْسَار، وَلَا ينْتَظر بِهِ حَالَة الثروة، بل هُوَ سَببهَا أَن كَانَا فقيرين. قَالَ الله تَعَالَى: {أَن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله من فَضله} (النُّور: 23) فندب إِلَيْهِ ووعد بِهِ الْغَنِيّ، وَقد سبق حَدِيث الرجل الَّذِي لم يجد خَاتمًا من حَدِيد يصدق بِهِ زَوجته، وَهُوَ نَص على نِكَاح من لَا يقدر على فطر لَيْلَة بنائِهِ بهَا، وَلَا شكّ أَن التَّرْجِيح يتبع الْمصَالح ومقاديرها مُخْتَلفَة، وَصَاحب الشَّرْع صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعلم بِتِلْكَ الْمَقَادِير والمصالح.

    رواة الحديث

    تعرف هنا على رواة هذا الحديث الشريف وسيرتهم وطبقاتهم ورتبة كل منهم