عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ . اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ "
    424 وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ . اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ
    428

    أحاديث أخري متعلقة من كتاب كتاب قصر الصلاة في السفر

    اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ . اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ

    لا تتوفر ترجمة لهذا الحديث

    لا توجد ألفاظ غريبة بهذا الحديث

    وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ. اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ.

    (مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير) بن العوّام القرشي الأسدي أبي الحارث المدني التابعي ثقة عابد مات سنة إحدى وعشرين ومائة (عن عمرو) بفتح العين (بن سليم) بضم السين (الزرقي) بضم الزاي وفتح الراء وقاف الأنصاري (عن أبي قتادة) الحارث ويقال عمرو أو النعمان بن ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة فمهملة (الأنصاري) صحابي شهير.

    (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة) بضم الهمزة وتخفيف الميمين كانت صغيرة في عهده صلى الله عليه وسلم وتزوّجها عليّ بعد فاطمة بوصية منها ولم تعقب والمشهور في الروايات تنوين حامل ونصب أمامة وروي بالإضافة كما قرئ قوله تعالى: {{ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ }}بالوجهين ويظهر أثرهما في قوله (بنت زينب) فتفتح وتكسر بالاعتبارين (بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم) أكبر بناته والإضافة بمعنى اللام فأظهر في المعطوف وهو قوله (ولأبي العاصي) ما هو مقدّر في المعطوف عليه قاله الكرماني، وأشار ابن العطار إلى أنّ حكمة ذلك كون والد أمامة كان إذ ذاك مشركًا فنسبت إلى أمّها تنبيهًا على أن الولد ينسب إلى أشرف أبويه دينًا ونسبًا ثم بيّن أنها بنت أبي العاصي تبيينًا لحقيقة نسبها.

    قال الحافظ: وهذا السياق لمالك وحده وقد رواه غيره عن عامر بن عبد الله فنسبوها إلى أبيها ثم بينوا أنها بنت زينب كما في مسلم وغيره، ولأحمد من طريق المقبري عن عمرو بن سليم يحمل أمامة بنت أبي العاصي وأمّها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاتقه، وكذا رواه عبد الرزاق عن مالك بإسناده فزاد على عاتقه، وكذا لمسلم وغيره من طرق أخرى، ولأحمد من طريق ابن جريج على رقبته.

    (بن ربيعة) كذا ليحيى وجمهور الرواة ورواه يحيى بن بكير ومعن بن عيسى وأبو مصعب وغيرهم ابن الربيع وهو الصواب وادّعى الأصيلي أنه ابن الربيع بن ربيعة فنسب إلى جدّه وردّه عياض والقرطبي وغيرهما لإطباق النسابين على خلافه نعم نسبه إلى جدّه في قوله (بن عبد شمس) وإنما هو ابن عبد العزى بن عبد شمس بإطباق النسابين أيضًا واسم أبي العاصي لقيط وقيل مقسم وقيل القاسم وقيل مهشم وقيل هشيم وقيل ياسر، أسلم قبل الفتح وهاجر، وردّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم زينب وماتت معه وأثنى عليه في مصاهرته وتوفي في خلافة الصدّيق.

    (فإذا سجد وضعها) كذا لمالك أيضًا. ولمسلم من طريق عثمان بن أبي سليمان ومحمد بن عجلان، والنسائي من طريق الزبيدي، وأحمد من طريق ابن جريج، وابن حبان من طريق أبي العميس كلهم عن عامر شيخ مالك إذا ركع وضعها (وإذا قام حملها) ولمسلم: فإذا قام أعادها ولأحمد من طريق ابن جريج وإذا قام حملها فوضعها على رقبته، ولأبي داود من طريق المقبري عن عمرو بن سليم: حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردّها مكانها وهذا صريح في أن فعل الحمل والوضع كان منه لا منها، بخلاف ما أوّله الخطابي وابن دقيق العيد بأن الفعل الصادر منه هو الوضع لا الرفع لتعلقها به إذا سجد فينهض فتبقى محمولة حتى يركع فيضعها فيقل العمل.

    واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث لأنه عمل كثير، فروى ابن القاسم عن مالك أنه كان في النافلة، واستبعده المازري وعياض والقرطبي لما في مسلم رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة على عاتقه. قال المازري: إمامته بالناس في النافلة ليست بمعهودة ولأبي داود بينا نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر وقد دعاه بلال إلى الصلاة إذ خرج إلينا وأمامة على عاتقه فقام في مصلاه فقمنا خلفه فكبر وكبرنا وهي في مكانها انتهى.

    لكن أعل ذلك ابن عبد البر بأن أبا داود رواه من طريق ابن إسحاق عن المقبري، وقد رواه الليث عن المقبري فلم يقل في الظهر أو العصر فلا دلالة فيه على أنه في فريضة انتهى.

    ورواية الليث أخرجها البخاري في الأدب، والاستبعاد لا يمنع الوقوع وقد أمّ في النفل في قصتي مليكة وعتبان وغيرهما وعند الزبير بن بكار، وتبعه السهيلي الصبح، ووهم من عزاه للصحيحين. قال القرطبي: وروى أشهب وعبد الله بن نافع عن مالك أن ذلك لضرورة حيث لم يجد من يكفيه أمرها، وقال بعض أصحابه: لأنه لو تركها لبكت وشغلت سره في صلاته أكثر من شغله بحملها، وقال الباجي: إن وجد من يكفيه أمرها جاز في النافلة دون الفريضة وإن لم يجد جاز فيهما، قال القرطبي: وروى عبد الله بن يوسف عن مالك أنّ الحديث منسوخ. قال الحافظ: وروى ذلك الإسماعيلي لكنه غير صحيح ولفظه، قال التنيسي قال مالك من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ناسخ ومنسوخ وليس العمل على هذا، وقال ابن عبد البر: لعله نسخ بتحريم العمل في الصلاة، وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال وبأن هذه القصة كانت بعد قوله صلى الله عليه وسلم: إن في الصلاة لشغلاً لأنه كان قبل الهجرة بمدّة مديدة، وذكر عياض عن بعضهم أنه من خصائصه لعصمته من أن تبول وهو حاملها، وردّ بأنّ الأصل عدم الاختصاص وبأنه لا يلزم من ثبوته في أمر ثبوته في غيره بلا دليل ولا دخل للقياس في مثله، وحمله أكثر العلماء على أنه عمل غير متوال لوجود الطمأنينة في أركان صلاته، وقال النووي: ادّعى بعض المالكية أنه منسوخ، وبعضهم من الخصائص، وبعضهم أنه لضرورة وكله دعاوى باطلة مردودة لا دليل عليها.

    وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع لأن الآدمي طاهر وما في جوفه معفو عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة، والأعمال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت وتفرّقت ودلائل الشرع متظاهرة على ذلك، وإنما فعله صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز. وقال الفاكهاني: كأن السرّ فيه دفع ما ألفته العرب من كراهة البنات وحملهن فخالفهم حتى في الصلاة للمبالغة في ردعهم والبيان بالفعل قد يكون أقوى من القول، وفيه ترجيح العمل بالأصل على الغالب. ورده ابن دقيق العيد بأنّ حكايات الأحوال لا عموم لها أي لاحتمال أن أمامة كانت حينئذ قد غسلت وجواز إدخال الصبيان المساجد وصحة صلاة من حمل آدميًا وتواضعه صلى الله عليه وسلم وشفقته على الأطفال وإكرامه لهم جبرًا لهم ولوالديهم انتهى.

    وفي التمهيد حمله العلماء على أنّ أمامة كانت عليها ثياب طاهرة، وأنه أمن منها ما يحدث من الصبيان من البول.

    والحديث رواه البخاري في الصلاة عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن عبد الله بن مسلمة، وقتيبة ويحيى التميمي أربعتهم عن مالك به، وتابعه عثمان بن سليمان وابن عجلان عن عامر به عند مسلم.

    (مالك عن أبي الزناد) بكسر الزاي وخفة النون عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يتعاقبون فيكم) أي تأتي طائفة عقب طائفة ثم تعود الأولى عقب الثانية. قال ابن عبد البر: وإنما يكون التعاقب بين طائفتين أو رجلين يأتي هذا مرّة ويعقبه هذا، ومنه تعقيب الجيوش وتوارد جماعة من الشراح، ووافقهم ابن مالك على أن الواو علامة الفاعل المذكر المجموع على لغة بني الحارث القائلين أكلوني البراغيث وهي فاشية حمل عليها الأخفش: {{ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا }}

    قال القرطبي: وتعسف بعض النحاة وردها للبدل وهو تكلف مستغنى عنه لاشتهار تلك اللغة ولها وجه من القياس واضح، وقال غيره في تأويل الآية {{ وَأَسَرُّوا }}عائد إلى الناس أوّلاً و {{ الَّذِينَ ظَلَمُوا }}بدل من الضمير، وقيل تقديره لما قيل {{ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى }}قيل: من هم؟ قال: {{ الَّذِينَ ظَلَمُوا }}وحكاه النووي والأوّل أقرب ولم يختلف على مالك في لفظ يتعاقبون فيكم ملائكة، وتابعه عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أخرجه سعيد بن منصور عنه.

    وللبخاري في بدء الخلق من طريق شعيب بن أبي جمرة عن أبي الزناد بلفظ: الملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، والنسائي من طريق موسى بن عقبة عن أبي الزناد بلفظ: إنّ الملائكة يتعاقبون فيكم فاختلف فيه على أبي الزناد، فالظاهر أنه كان تارة يذكره هكذا وتارة هكذا فيقوي قول أبي حيان هذه الطريقة اختصرها الراوي، ويؤيده أن غير الأعرج من أصحاب أبي هريرة رواه تامًا فأخرجه أحمد ومسلم من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة مثل رواية موسى بن عقبة، لكن بحذف إنّ من أوّله، ولابن خزيمة والسراج والبزار عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: إن لله ملائكة يتعاقبون، ولذا شرح أبو حيان في العزو للبزار بأن العزو للطريق المتحدة مع الطريق التي وقع القول فيها أولى من طريق مغايرة لها فليعز إلى البخاري والنسائي قاله الحافظ ملخصًا.

    (ملائكة بالليل وملائكة بالنهار) بتنكيرهما لإفادة أن الثانية غير الأولى كما قيل في قوله تعالى: {{ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا }}إنه استئناف وعده تعالى بأن العسر مشفوع بيسر آخر، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: لن يغلب عسر يسرين فالعسر معرّف لا يتعدّد سواء كان للعهد أو للجنس واليسر منكر فيراد بالثاني فرد يغاير ما أريد بالأوّل، ونقل عياض وغيره عن الجمهور أنهم الحفظة وتردد فيه ابن بزيزة، وقال القرطبي: الأظهر عندي أنهم غيرهم، وقوّاه الحافظ بأنه لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد ولا أنّ حفظة الليل غير حفظة النهار، وبأنه لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله: كيف تركتم عبادي؟ وتعقبه السيوطي بقوله: بل نقل ذلك أخرج ابن أبي زمنين في كتاب السنة بسنده عن الحسن قال: الحفظة أربعة يعتقبونه ملكان بالليل وملكان بالنهار تجتمع هذه الأملاك الأربعة عند صلاة الفجر وهو قوله {{ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا }}

    وأخرج أبو الشيخ في كتاب العظمة عن ابن المبارك قال: وكل به خمسة أملاك ملكان بالليل وملكان بالنهار يجيئان ويذهبان وملك خامس لا يفارقه ليلاً ولا نهارًا.

    وأخرج أبو نعيم في كتاب الصلاة عن الأسود بن يزيد النخعي قال: يلتقي الحارسان عند صلاة الصبح فيسلم بعضهم على بعض فتصعد ملائكة الليل وتلبث ملائكة النهار، وفيه نظر فالحافظ ذكر أثر الأسود بعد ذلك، وحمله على أنّ المراد بالحارسين ملائكة الليل والنهار، ويأتي كلامه ومثله يحمل أثر الحسن لقوله: يعتقبونه فهما بمعنى حديث الباب المختلف في المراد بالملائكة فيه، وكذا هو الظاهر من أثر ابن المبارك لقوله يجيئان ويذهبان على أنّ الظاهر أنّ مراد الحافظ لم ينقل في المرفوع، بل نقل فيه خلافه، وأنّ الحفظة إنما تفارق الإنسان حين قضاء الحاجة وإفضائه إلى أهله.

    (ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر) أي الصبح. قال الزين بن المنير: التعاقب مغاير للاجتماع لكن ذلك منزل على حالين. قال الحافظ: وهو ظاهر، وقال ابن عبد البر: الأظهر أنهم يشهدون معهم الصلاة في الجماعة واللفظ محتمل للجماعة وغيرها كما يحتمل أن التعاقب يقع بين طائفتين دون غيرهم وأن يقع التعاقب بينهم في النوع لا في الشخص.

    قال عياض: وحكمة اجتماعهم في هاتين الصلاتين من لطف الله تعالى بعباده وإكرامه لهم بأن جعل اجتماع ملائكته في حال طاعة عباده لتكون شهادتهم لهم بأحسن الشهادة، وفيه شيء لأنه رجح أنهم الحفظة، ولا شك أنّ الصاعدين كانوا مقيمين عندهم مشاهدين لأعمالهم في جميع الأوقات، فالأولى أن يقال حكمة كونه تعالى لا يسألهم إلا عن الحالة التي تركوهم عليها ما ذكر، ويحتمل أن يقال الله تعالى يستر عنهم ما يعملونه فيما بين الوقتين لكنه بناء على أنهم غير الحفظة، وفيه إشارة إلى الحديث الآخر: الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما فلذا وقع السؤال من كل طائفة عن آخر شيء فارقوهم عليه.

    (ثم يعرج الذين باتوا فيكم) أي المصلون (فيسألهم) ربهم (وهو أعلم بهم) أي بالمصلين من الملائكة فحذف صلة أفعل التفضيل. قال الحافظ: اختلف في سؤال الذين باتوا دون الذين ظلموا فقيل من الاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر كقوله تعالى: {{ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى }}أي وإن لم تنفع و {{ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ }}أي والبرد أشار إليه ابن التين وغيره، ثم قيل حكمة الاقتصار على ذلك أن حكم طرفي النهار يعلم من حكم طرفي الليل، فلو ذكره كان تكرارًا وحكمة الاقتصار على هذا الشق دون الآخر أن الليل مظنة المعصية فلما لم يقع فيه مع إمكان دواعي الفعل من الإخفاء ونحوه واشتغلوا بالطاعة كان النهار أولى بذلك، فالسؤال عن الليل أبلغ من النهار لأنه محل الاشتهار، وقيل: لأن ملائكة الليل إذا صلوا الفجر عرجوا في الحال وملائكة النهار إذا صلوا العصر لبثوا إلى آخر النهار لضبط بقية عمل النهار وهذا ضعيف لأنه يقتضي أن ملائكة النهار لا يسألون عن وقت العصر وهو خلاف ظاهر الحديث، ثم هو مبني على أنهم الحفظة وفيه نظر، وقيل بناء أيضًا على أنهم الحفظة أنهم ملائكة النهار فقط وهم لا يبرحون عن ملازمة بني آدم وملائكة الليل هم الذين يعرجون ويتعاقبون.

    ويؤيده ما رواه أبو نعيم في كتاب الصلاة عن الأسود بن يزيد النخعي قال: يلتقي الحارسان أي ملائكة الليل وملائكة النهار عند صلاة الصبح فيسلم بعضهم على بعض فتصعد ملائكة الليل وتلبث ملائكة النهار، وقيل: يحتمل أن العروج إنما يقع عند صلاة الفجر خاصة، وأما النزول فيقع في الصلاتين معًا وفيه التعاقب وصورته: أن تنزل طائفة عند العصر وتبيت ثم تنزل طائفة عند الفجر فتجتمع الطائفتان في صلاة الفجر ثم يعرج الذين باتوا فقط ويستمر الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر فتنزل الطائفة الأخرى فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضًا ولا يصعد منهم أحد بل تبيت الطائفتان أيضًا ثم يعرج إحدى الطائفتين ويستمر ذلك فتصح صورة التعاقب مع اختصاص النزول بالعصر والعروج بالفجر، فلذا خص السؤال بالذين باتوا، وقيل قوله: ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر وهم لأنه ثبت في طرق كثيرة أن الاجتماع في صلاة الفجر من غير ذكر صلاة العصر كما في الصحيحين عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة في أثناء حديث قال فيه: ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر قال أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم {{ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا }}

    وللترمذي والنسائي من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى: {{ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا }}قال: تشهده ملائكة الليل والنهار. وروى ابن مردويه عن أبي الدرداء مرفوعًا نحوه. قال ابن عبد البر: ليس في هذا دفع للرواية التي فيها ذكر العصر فلا يلزم من عدم ذكر العصر في الآية والحديث الآخر عدم اجتماعهم في العصر لأن المسكوت عنه قد يكون في حكم المذكور بدليل آخر. قال: ويحتمل أن الاقتصار وقع في الفجر لأنها جهرية وبحثه الأوّل متجه لأنه لا سبيل إلى دعوى توهيم الراوي الثقة مع إمكان التوفيق بين الروايات، ولا سيما والزيادة من العدل الضابط مقبولة، ولم لا يقال رواية من لم يذكر سؤال الذين أقاموا في النهار تقصير من بعض الرواة، أو يحمل قوله ثم يعرج الذين باتوا على أعم من المبيت بالليل والإقامة بالنهار فلا يخلص ذلك بليل دون نهار ولا عكسه، بل كل طائفة منهم إذا صعدت سئلت غايته أنه استعمل لفظ بات في أقام مجازًا ويكون قوله فيسألهم أي كلاً من الطائفتين في الوقت الذي تصعد فيه ويدل على هذا العمل رواية موسى بن عقبة عن أبي الزناد عند النسائي، ولفظه: ثم يعرج الذين كانوا فعلى هذا لم يقع في المتن اختصار ولا اقتصار، وهذا أقرب الأجوبة.

    وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق أخرى واضحًا وفيه التصريح بسؤال كل من الطائفتين، وذلك فيما رواه ابن خزيمة والسراج عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر فتصعد ملائكة النهار وتبيت ملائكة الليل فيسألهم ربهم كيف تركتم عبادي؟ الحديث. وهذه الرواية تزيل الإشكال وتغني عن كثير من الاحتمالات المتقدمة فهي المعتمدة ويحمل ما نقص منها على تقصير من بعض الرواة انتهى. فما أكثر فوائده.

    (كيف تركتم عبادي) المذكورين في قوله تعالى: {{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ }}ووقع السؤال عن آخر الأعمال لأن الأعمال بخواتيمها قاله ابن أبي جمرة. قال عياض: هذا السؤال على سبيل التعبد للملائكة كما أمروا أن يكتبوا أعمال بني آدم وهو سبحانه أعلم بالجميع من الجميع، وقال غيره: الحكمة فيه استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير واستعطافهم بما يقتضي التعطف عليهم وذلك لإظهار الحكمة في خلق نوع الإنسان في مقابلة من قال من الملائكة: {{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }}أي قد وجدتم فيهم من يسبح ويقدس مثلكم بشهادتكم.

    (فيقولون تركناهم وهم يصلون) الواو للحال ولا يلزم منه أنهم فارقوهم قبل انقضاء الصلاة فلم يشهدوها معهم، والخبر ناطق بأنهم يشهدونها لأنه محمول على أنهم شهدوا الصلاة مع من صلاها أول وقتها وشهدوا من دخل فيها بعد ذلك، ومن شرع في أسباب ذلك قاله ابن التين. وقال غيره: ظاهره أنهم فارقوهم عند شروعهم في الصلاة سواء تمت أو منع مانع من إتمامها، وسواء شرع الجميع فيها أم لا لأن المنتظر في حكم المصلي، ويحتمل أن المراد بقوله وهم يصلون أي ينتظرون صلاة المغرب وبدؤوا بالترك قبل الإتيان مطابقة للسؤال فلم يراعوا الترتيب الوجودي لأن المخبر به صلاة العباد والأعمال بخواتيمها فناسب إخبارهم عن آخر عملهم قبل أوله.

    ثم زادوا في الجواب لإظهار فضيلة المصلين والحرص على ذكر ما يوجب مغفرة ذنوبهم فقالوا: (وأتيناهم وهم يصلون) زاد ابن خزيمة فاغفر لهم يوم الدين. قال ابن أبي جمرة: أجابت الملائكة بأكثر مما سئلوا عنه لعلمهم أنه سؤال يستدعي التعطف فزادوا في موجب ذلك. قال: وفيه أن الصلاة أعلى العبادات لأن عليها وقع السؤال، والجواب وإشارة إلى عظم هاتين الصلاتين لاجتماع الطائفتين فيهما وفي غيرهما طائفة واحدة وإلى شرف الوقتين المذكورين، وقد ورد أن الرزق يقسم بعد صلاة الصبح وأنّ الأعمال ترفع آخر النهار فمن كان في طاعة بورك في رزقه وفي عمله ويترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما والاهتمام بهما وفيه تشريف هذه الأمّة على غيرها ويستلزم تشريف نبيها على غيره والإخبار بالغيوب ويترتب عليه زيادة الإيمان والإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتى نتيقظ ونتحفظ في الأوامر والنواهي ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رسل ربنا وسؤال ربنا عنا وفيه إعلامنا بحب الملائكة لنا لنزداد فيهم حبًا ونتقرّب إلى الله بذلك وكلام الله مع ملائكته وفيه غير ذلك.

    وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف وفي التوحيد عن إسماعيل، ومسلم عن يحيى بن يحيى الثلاثة عن مالك به.

    (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم) هكذا رواه جماعة عن مالك موصولاً وهو في أكثر نسخ الموطأ مرسل ليس فيه عائشة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال) في مرضه الذي مات فيه لما اشتدّ مرضه كما في الصحيح من وجه آخر عن عائشة (مروا) بضمتين بوزن كلوا من غير همز تخفيفًا (أبا بكر) الصديق (فليصل) بسكون اللام الأولى ويروى بكسرها مع زيادة ياء مفتوحة بعد الثانية (للناس) باللام وفي رواية بالباء وفيه أن الأمر بالأمر بالشيء يكون أمرًا به وهي مسألة معروفة في الأصول وأجاب المانعون بأن المعنى بلغوا أبا بكر أني أمرته، وفصل النزاع أن الثاني إن أراد أنه ليس أمرًا حقيقة فمسلم إذ ليس فيه صيغة أمر للثاني وإن أراد أنه لا يستلزم فمردود.

    (فقالت عائشة: إن أبا بكر يا رسول الله) زاد الأسود عن عائشة رجل أسيف كما في الصحيحين فعيل بمعنى فاعل من الأسف شدّة الحزن والمراد رقيق القلب، وفي رواية ابن عمر وأبي موسى في الصحيح فقالت عائشة: إنه رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء (إذا قام في مقامك) وفي رواية بحذف في (لم يسمع الناس من البكاء) لرقة قلبه (فمر عمر) بن الخطاب (فليصلي) بكسر اللام الأولى وكسر الثانية بعدها ياء مفتوحة وفي رواية بلا ياء وإسكان اللام الأولى (للناس) باللام والباء (قال: مروا أبا بكر فليصل للناس) بلام وموحدة بدلها (قالت عائشة: فقلت لحفصة) بنت عمر (قولي له) صلى الله عليه وسلم (إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء) قراءته (فمر عمر فليصل) بالجزم (بالناس) بموحدة أو لام (ففعلت حفصة) ذلك (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم) زاد البخاري من هذه الطريق مه اسم فعل مبني على السكون زجر بمعنى اكففي (إنكن لأنتن صواحب يوسف) جمع صاحبة، والمراد أنهنّ مثلهن في إظهار خلاف ما في الباطن، والخطاب وإن كان بلفظ الجمع فالمراد به عائشة فقط كما أن صواحب جمع والمراد زليخا فقط، ووجه المشابهة أن زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة، ومرادها زيادة على ذلك وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ويعذرنها في محبته، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه، ومرادها هي زيادة على ذلك وهو أن لا يتشاءم الناس به وصرحت هي بعد ذلك به فقالت: لقد راجعته وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلاً قام مقامه أبدًا كما في الصحيحين، وبهذا التقرير يندفع إشكال من قال لم يقع من صواحب يوسف إظهار ما يخالف ما في الباطن.

    وفي أمالي ابن عبد السلام: أنهن أتين امرأة العزيز يظهرن تعنيفها ومقصودهن في الباطن أن يدعون يوسف إلى أنفسهن وليس في سياق الآية ما يساعد ما قال ذكره الحافظ.

    وقال الباجي: أراد أنهن قد دعون إلى غير صواب كما دعين فهن من جنسهن، وأنكر صلى الله عليه وسلم مراجعتهن بأمر تكرر سماعه ولم يره فذكرهما بفساد رأي من تقدم من جنسهن وفيه جواز القول بالرأي، ولذا أقرهما على اعترافهما بالرأي بعد نصه على الحكم.

    وقال أبو عمر: أراد جنس النساء وأنهن يسعين إلى صرف الحق، وقد روي في غير هذا الحديث: أنتن صواحب يوسف وداود وجريج وفي الحديث: أنهن مائلات مميلات، وفيه: ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء، وخرج كلامه على جهة الغضب على أزواجه وهن فاضلات وأراد غيرهن من جنس النساء.

    (مروا أبا بكر فليصل للناس فقالت حفصة لعائشة ما كنت لأصيب منك خيرًا) لأن كلاهما صادف المرّة الثالثة من المعاودة، وكان صلى الله عليه وسلم لا يراجع بعد ثلاث، فلما أشار إلى الإنكار عليها بما ذكر وجدت حفصة في نفسها لأن عائشة هي التي أمرتها بذلك، ولعلها تذكرت ما وقع لها أيضًا معها في قصة المغافير قاله الحافظ، وقال أبو عمر فيه: أن المكترب ربما قال قولاً يحمله الحرج لأنه معلوم أن حفصة لم تعدم من عائشة خيرًا وإذا كان هذا في السلف الصالح فأحرى من دونهم، وزاد الدورقي في مسنده من وجه آخر أن أبا بكر هو الذي أمر عائشة أن تشير على النبي صلى الله عليه وسلم بأن يأمر عمر بالصلاة، وكذا في مرسل الحسن عند ابن أبي خيثمة زاد الأسود عن عائشة في الصحيحين فخرج أبو بكر فصلى، ولها أيضًا من وجه آخر فأتاه الرسول أي بلال فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر وكان رجلاً رقيقًا: يا عمر صل بالناس فقال له عمر: أنت أحق بذلك، قال الحافظ: ولم يرد أبو بكر بهذا ما أرادته عائشة. قال النووي: تأوّله بعضهم على أنه قاله تواضعًا وليس كذلك بل قاله للعذر المذكور وهو أنه رقيق القلب كثير البكاء فخشي أن لا يسمع الناس انتهى.

    ويحتمل أنه فهم من الإمامة الصغرى الإمامة العظمى وعلم ما في تحملها من الخطر وعلم قوة عمر على ذلك فاختاره، ويؤيده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوا عمر أو أبا عبيدة، والظاهر أنه لم يطلع على المراجعة المتقدمة وفهم من الأمر له بذلك تفويض الأمر له بذلك سواء باشر بنفسه أو استخلف. قال القرطبي: يستفاد منه أن للمستخلف في الصلاة أن يستخلف ولا يتوقف على إذن خاص له بذلك انتهى.

    قال أبو عمر: استدل الصحابة بذلك على أنه أولى بالخلافة فرضوا لدنياهم من رضيه صلى الله عليه وسلم لدينهم وما منعه أن يصرح بخلافته إلا أنه كان لا ينطق في دين الله بهواه بل بما يوحى إليه ولم يوح إليه في الخلافة بشيء، وكان لا يتقدم بين يدي ربه إلا أنه كان يحب أن يكون أبو بكر الخليفة، فأراهم بتقديمه للصلاة موضع اختياره فخار الله ذلك للمسلمين فقاتل أهل الردّة وقام بأمر الله وقال عمر للأنصار يوم السقيفة: أنشدكم الله هل تعلمون أنه صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس؟ قالوا: نعم. قال: أيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: كلنا لا تطيب نفسه بذلك. قال ابن مسعود: فكان رجوع الأنصار لكلام عمر انتهى.

    وأخرجه البخاري في الصلاة عن عبد الله بن يوسف وفي الاعتصام عن إسماعيل كلاهما عن مالك به.

    (مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي) المدني نزيل الشام ثقة من رجال الجميع مات سنة خمس أو سبع ومائة وقد جاوز الثمانين (عن عبيد الله) بضم العين (بن عدي بن الخيار) بكسر المعجمة وخفة التحتية ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي المدني قتل أبوه ببدر وكان هو في الفتح مميزًا فعدّ في الصحابة لذلك، وعدّه العجلي وغيره في ثقات كبار التابعين من حيث الرواية ومات في آخر خلافة الوليد بن عبد الملك وخرج له الشيخان وأبو داود والنسائي.

    (أنه قال:) أرسله جميع رواة الموطأ إلا روح بن عبادة فرواه عن مالك موصولاً فقال عن رجل من الأنصار، ورواه الليث وابن أخي الزهري عن الزهري مثل رواية روح عن مالك سواء، ورواه صالح بن كيسان وأبو أويس عن الزهري عن عطاء عن عبيد الله عن عبد الله بن عدي الأنصاري فسمي الرجل المبهم، ذكره ابن عبد البر وأسند هذه الطرق كلها قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بين ظهراني الناس إذ جاءه رجل) هو عتبان بن مالك (فساره فلم يدر) بالبناء للمجهول (ما ساره به حتى جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يستأذنه في قتل رجل من المنافقين) هو مالك بن الدخشم كذا ذكر الباجي وابن عبد البر، ثم ساق حديث عتبان بن مالك المروي في الصحيحين وفي آخره فحبسناه على خزيرة صنعناها له فاجتمع رجال فقال قائل أين مالك؟ فقال بعضهم ذلك منافق لا يحب الله ورسوله فقال صلى الله عليه وسلم لا تقل ذلك الحديث.

    قال الحافظ: وليس فيه دليل على ما ادعاه من أن الذي سارّ هو عتبان، وأغرب بعض المتأخرين فنقل عن ابن عبد البر أن القائل في هذا الحديث ذلك منافق هو عتبان وليس فيه تصريح بذلك، وقال ابن عبد البر: لم يختلف في شهود مالك بدرًا وهو الذي أسر سهيل بن عمرو ثم ساق بإسناد حسن عن أبي هريرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن تكلم فيه: أليس قد شهد بدرًا. وفي مغازي ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم بعث مالكًا هذا ومعن بن عدي فحرقا مسجد الضرار فدل على أنه بريء مما اتهم به من النفاق أو كان قد أقلع عن ذلك أو النفاق الذي اتهم به ليس بنفاق الكفر، وإنما أنكر الصحابة عليه تودّده للمنافقين ولعل له عذرًا في ذلك كما وقع لحاطب.

    (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جهر: أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) وفي البخاري ألا تراه قد قال لا إله إلا الله وكأن الرجل فهم من الاستفهام أن لا جزم بذلك (فقال الرجل: بلى ولا شهادة له) لأنها بالظاهر فقط. وفي البخاري قال الله ورسوله أعلم فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين فإنما استدلوا على نفاقه بميله ونصحه للمنافقين فلم ير المصطفى ذلك يبيح دمه.

    (فقال) صلى الله عليه وسلم (أليس يصلي؟ قال: بلى ولا صلاة له) حقيقة (فقال صلى الله عليه وسلم: أولئك الذين نهاني الله عنهم) لئلا يقول الناس إنه يقتل أصحابه كما في حديث آخر أي فتنفر قلوب الناس عن الإسلام. قال الباجي: يعني نهاه عن قتلهم لمعنى الإيمان وإن جاز أن يلزمهم القتل بعد ذلك بما يلزم سائر المسلمين من القصاص والحدود.

    (مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) قال الباجي: دعاؤه بذلك التزام للعبودية، وروى أشهب عن مالك أنه لذلك كره أن يدفن في المسجد. قال ابن عبد البر: لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث.

    وأسنده البزار عن عمر بن محمد عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) محفوظ من طرق كثيرة صحاح وعمر بن محمد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب من ثقات أشراف أهل المدينة روى عنه مالك والثوري وسليمان بن بلال، فالحديث صحيح عند من يحتج بمراسيل الثقات، وعند من قال بالمسند لإسناد عمر بن محمد له بلفظ الموطأ سواء وهو ممن تقبل زيادته وله شاهد عند العقيلي من طريق سفيان عن حمزة بن المغيرة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه: اللهم لا تجعل قبري وثنًا لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قيل: معناه النهي عن السجود على قبور الأنبياء وقيل النهي عن اتخاذها قبلة يصلى إليها وإذا منع ذلك في قبره فسائر آثاره أحرى بذلك، وقد كره مالك وغيره طلب موضع شجرة بيعة الرضوان مخالفة لليهود والنصارى.

    (مالك عن ابن شهاب عن محمود بن الربيع) بن سراقة بن عمرو (الأنصاري) الخزرجي أبي محمد المدني صحابي صغير وجل روايته عن الصحابة أبو عمر، قال يحيى محمود بن لبيد غلط بين لم يروه أحد من أصحاب مالك ولا من أصحاب ابن شهاب إلا عن محمود بن الربيع (أن عتبان) بكسر المهملة ويجوز ضمها وسكون الفوقية (بن مالك) بن عمرو بن العجلان الأنصاري السالمي صحابي شهير، مات في خلافة معاوية.

    (كان يؤم قومه وهو أعمى) أي حين لقيه محمود وسمع منه الحديث لا حين سؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم ويبينه قوله في رواية يعقوب فجئت إلى عتبان وهو شيخ أعمى يؤم قومه فلا يخالف رواية إبراهيم بن سعد ومعمر والليث عند البخاري، ويونس في مسلم، والزبيدي والأوزاعي في الطبراني كلهم عن الزهري أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أنكرت بصري. وللطبراني من رواية أبي أويس لما ساء بصري، وللإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن نمر جعل بصري يكل، وكل ذلك ظاهر في أنه لم يكن بلغ العمى إذ ذاك.

    ويؤيد هذا الحمل رواية ابن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد: لما أنكرت بصري، وقوله في مسلم من طريق سليم بن المغيرة عن ثابت عن أنس عن عتبان أصابني في بصري بعض الشيء، فإنه ظاهر في أنه لم يكمل عماه لكن لمسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت بلفظ: أنه عمي فأرسل وجمع ابن خزيمة بين رواية مالك وغيره من أصحاب ابن شهاب فقال قوله: قد أنكرت بصري هذا اللفظ يطلق على من في بصره سوء وإن كان يبصر بصرًا مّا وعلى من صار أعمى لا يبصر شيئًا انتهى. والأولى أن يقال أطلق عليه العمى لقربه منه ومشارفته له في فوات ما كان يعهده في حال الصحة وبهذا تأتلف الروايات.

    (وأنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم) ظاهره مشافهة وهو أيضًا ظاهر رواية الليث أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمسلم في رواية ثابت عن أنس عن عتبان أنه بعث إلى النبي فيحتمل أنه نسب إتيان رسوله إلى نفسه مجازًا، لكن في الطبراني عن أبي أويس عن ابن شهاب بسنده أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم جمعة: لو أتيتني يا رسول الله وفيه أنه أتاه يوم السبت، فظاهره أن مخاطبة عتبان بذلك حقيقة لا مجازًا فيحمل على أنه أتاه مرة وبعث إليه أخرى إما متقاضيًا وإما مذكرًا.

    (إنها تكون الظلمة والمطر والسيل) سيل الماء، وفي رواية الليث وأنا أصلي لقومي فإذا كانت الأمطار سال في الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم (وأنا رجل ضرير البصر) أي أصابني منه ضر فهو كقوله: أنكرت بصري. قال أبو عمر: أي ناقصه فإذا عمي أطلق عليه ضرير من غير تقييد بالبصر وذكر هذه الأربعة وإن كفى كل واحد منها في عذر ترك الجماعة ليبين كثرة موانعه، وإنه حريص على الجماعة (فصل يا رسول الله في بيتي مكانًا) بالنصب على الظرفية وإن كان محدودًا لتوغله في الإبهام فأشبه خلف ونحوها أو على نزع الخافض أي في مكان (أتخذه) بالجزم في جواب الأمر أي إن تصل أتخذه وبالرفع والجملة في محل نصب صفة مكانًا أو مستأنفة لا محل لها (مصلى) بالميم موضعًا للصلاة.

    (فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي رواية الليث فغدا عليّ رسول الله وأبو بكر. زاد الإسماعيلي بالغد ولم يذكره جمهور الرواة عن ابن شهاب غيره حتى أن في رواية الأوزاعي فاستأذنا فأذنت لهما، لكن في رواية أبي أويس ومعه أبو بكر وعمر ولمسلم عن أنس عن عتبان فأتاني ومن شاء الله من أصحابه، وللطبراني في نفر من أصحابه. قال الحافظ: فيحتمل الجمع بأن أبا بكر صحبه وحده في ابتداء التوجه ثم عند الدخول أو قبله اجتمع عمر وغيره فدخلوا معه.

    (فقال: أين تحب أن أصلي) من بيتك (فأشار) عتبان (له) صلى الله عليه وسلم (إلى مكان من البيت) معين (فصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي رواية الليث فلم يجلس حين دخل البيت ثم قال: أين تحب أن أصلي من بيتك فأشرت له إلى ناحية من البيت فقام فكبرّ فقمنا فصففنا فصلى ركعتين ثم سلم. وفي رواية يعقوب عند البخاري والطيالسي: فلما دخل لم يجلس حتى قال: أين تحب وهي أبين في المراد لأنّ جلوسه إنما وقع بعد صلاته بخلاف ما وقع منه في بيت مليكة جلس فأكل ثم صلى لأنه هناك دعي إلى طعام فبدأ به وهنا دعي إلى الصلاة فبدأ بها وفيه إمامة الأعمى وإخبار المرء بعاهة نفسه ولا يكون من الشكوى والتخلف عن الجماعة لعذر واتخاذ موضع معين للصلاة والنهي عن إيطان موضع من المسجد معين عند أبي داود محمول على ما إذا استلزم رياء ونحوه وفيه غير ذلك.

    وأخرجه البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس حدّثني مالك به، ورواه مسلم وغيره وله طرق كثيرة بزيادات على ما هنا في الصحيحين وغيرهما.

    (مالك عن ابن شهاب عن عباد) بفتح العين وشد الموحدة (بن تميم) بن غزية الأنصاري المازني المدني تابعي ثقة وقيل له رؤية (عن عمه) هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني أخي أبيه لأمه (أنه رأى) أبصر (رسول الله صلى الله عليه وسلم) حال كونه (مستلقيًا) على ظهره (في المسجد) النبوي حال كونه (واضعًا إحدى رجليه على الأخرى).

    قال الحافظ: الظاهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز وكان ذلك في وقت الاستراحة لا عند مجتمع الناس لما عرف من عادته صلى الله عليه وسلم من الجلوس بينهم بالوقار التام فلا معارضة بينه وبين حديث جابر في الصحيحين نهى صلى الله عليه وسلم أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره، وجمع البيهقي والبغوي وغيرهما بأن النهي حيث يخشى بدوّ العورة والجواز حيث يؤمن ذلك وهو أولى من جزم ابن بطال ومن تبعه بأنه منسوخ ومن تجويز المازري اختصاصه لأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال انتهى.

    وكذا جوزه الباجي قال: لكن فعل عمر وعثمان يدل على العموم. قال الخطابي: وفيه جواز الاتكاء في المسجد والاضطجاع وأنواع الاستراحة. وقال الداودي: فيه أن الأجر الوارد للابث في المسجد لا يختص بالجالس بل يحصل للمستلقي أيضًا.

    وأخرجه البخاري وأبو داود عن عبد الله بن مسلمة، ومسلم في اللباس عن يحيى كليهما عن مالك به وتابعه ابن عيينة ويونس ومعمر كلهم عن الزهري مثله كما في مسلم.

    (مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما كانا يفعلان ذلك) قال أبو عمر: أردف المرفوع بفعلهما كأنه ذهب إلى أن نهيه منسوخ فاستدل على نسخه بعملهما، وأقل أحوال الأحاديث المتعارضة أن تسقط ويرجع إلى الأصل والأصل الإباحة حتى يرد منع بدليل لا معارض له انتهى. ولا يتعين ما قال بل يجوز أنه إشارة إلى أن نهيه للتنزيه أو حيث خشي ظهور العورة، وإنه لو كان للتحريم أو مطلقًا لم يفعله الخليفتان. وزاد الحميدي عن ابن مسعود أبا بكر الصديق.

    (مالك عن يحيى بن سعيد أن عبد الله بن مسعود قال لإنسان:) لم يسم (إنك في زمان كثير) بالجر صفة جرت على غير من هي له والرفع خبر لقوله (فقهاؤه) المستنبطون للأحكام من القرآن كما هو المعلوم من حال الصحابة (قليل) بالرفع والخفض كسابقه (قراؤه) الخالون من معرفة معانيه والفقه فيه فلم يرد أن قرّاء القرآن قليل في زمانه بل مدح زمانه بكثرة الفقهاء وجل فقههم إنما هو من القرآن، والاستنباط منه وأن من يقرؤه بلا فقه قليل ومحال أن يستنبط منه من لا يحفظه وأن يوصف بالفقه من لا يقرؤه وأن يقصد ابن مسعود مع فضله ومحله من تلاوة القرآن أن يمدح زمان الصحابة بقلة القراء فيه وهم كانوا ألهج الناس به لما رأوا من تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم من تعلمه وعلمه وتقديمه في اللحد من كان أكثر أخذًا للقرآن وندائه أصحابه يوم حنين أين أصحاب سورة البقرة أي التي يجل عن الفرار صاحبها، وإنما يدعو بمثل ذلك العدد الكثير إذ لا ينتفع في مواطن الشدائد بالواحد والاثنين ولا يكاد يكون من أصحاب سورة البقرة إلا من قرأ القرآن أو أكثره، فثبت أن تلاوة القرآن وحفظه من أفضل المناقب ولا يجوز أن يعاب به فيجب تأويل قول ابن مسعود بما قلنا.

    (تحفظ فيه حدود القرآن) بإقامتها والوقوف عندها وإظهار الحق وأحكام القرآن على ما يقتضيه وذلك عامّ بين راغب فيه، ومحمول عليه من منافق أو مسرف على نفسه ممن لم يدرك المصطفى وأن هذا الصنف لا يقرؤونه وإن التزموا أحكامه خوفًا من الصحابة والفضلاء وهذا مراده بقوله: (وتضيع حروفه) فلا يجوز حمله على ظاهره لأن ترك الحروف لا يخلو أن يزيد من نحو ألف ولام أو يزيد لغاته وفي تضييع أحد الأمرين منع من حفظه ولم يرد أن فضلاء الصحابة يضيعون حروفه إذ لو ضيعوها لم يصل أحد إلى معرفة حدوده إذ لا يعرف ما تضمن من الأحكام إلا من قرأ الحروف وعرف معانيها قاله كله الباجي. وقال السيوطي: أي المحافظون على حدوده أكثر من المحافظين على التوسع في معرفة أنواع القراءات. وقال البوني فيه: إن تعلم حدوده واجب وحفظ حروفه أي القراءات السبع مستحب.

    (قليل من يسأل) المال لكثرة المتعففين (كثير من يعطي) لكثرة المتصدّقين وقيل أراد من يسأل العلم لأنّ الناس حينئذ كانوا كلهم فقهاء (يطيلون فيه الصلاة) أفذاذًا أو جماعة بشرطه (ويقصرون) بضم أوّله وكسر الصاد من أقصر وبفتحه وضمها من قصر (الخطبة) أي يعملون بالسنة.

    قال أبو عمر: كان صلى الله عليه وسلم يأمر بذلك ويفعله وكان يخطب بكلمات قليلة طيبة، وكره التشدّق والموعوظ إنما يعتبر ما حفظ وذلك لا يكون إلا مع القلة، وقال ابن مسعود: كان صلى الله عليه وسلم يتخوّلنا أي يتعهدنا بالموعظة مخافة السآمة. قال الباجي: وفيه معنى آخر أن الخطبة وعظ والصلاة عمل يريد أن عملهم كثير ووعظهم قليل.

    (يبدون) بضم الياء وفتح الباء يقدّمون (أعمالهم قبل أهوائهم) قال الباجي: أي إذا عرض لهم عمل بر وهوى بدؤوا بعمل البر وقدّموه على ما يهوون وقال أبو عبد الملك هو مثل قوله تعالى: {{ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ }}الآية فإذا كانوا في أشغالهم وسمعوا نداء الصلاة قاموا إليها وتركوا أشغالهم. وقال أبو عمر: مدح ابن مسعود بذلك زمانه وقرنه خير القرون الممدوح على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وفيه أن تضييع حروف القرآن ليس به بأس.

    (وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه) لاشتغالهم بحظوظ أنفسهم عن طلب العلم (كثير قراؤه يحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده) عاب آخر الزمان بأن قرّاءه لا يفقهون ولا يعملون به وإنما غايتهم منه تلاوته، وفيه أنّ كثرة القراء دليل على تغير الزمان، وقد روي مرفوعًا: أكثر منافقي أمّتي قرّاؤها. وقال مالك: قد يقرأ القرآن من لا خير فيه والعيان في أهل هذا الزمان على صحة معنى هذا الحديث كالبرهان قاله أبو عمر.

    (كثير من يسأل) لقلة الصبر والتعفف (قليل من يعطي) لكثرة شح الأغنياء ومنعهم (يطيلون فيه الخطبة ويقصرون الصلاة) مخالفة للسنة أو وعظهم كثير وعملهم قليل (يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم) حبًا لاتباع الهوى.

    (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه قال: بلغني أن أول ما ينظر فيه من عمل العبد) أي الإنسان حرًا كان أو رقيقًا ذكرًا أو أنثى يوم القيامة (الصلاة) المفروضة وهي الخمس لأنها أوّل ما فرض بعد الإيمان وهي علمه وراية الإسلام (فإن قبلت منه نظر فيما بقي من عمله) لأنها أمّ العبادات (وإن لم تقبل منه لم ينظر في شيء من عمله) وهذا لا يكون رأيًا بل توقيفًا.

    وقد روي معناه مرفوعًا من وجوه قاله أبو عمر، وأقربها إلى لفظه ما أخرجه الطبراني في الأوسط وصححه الضياء عن أنس رفعه: أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة فإن صلحت صلح له سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله.

    وأخرج أبو داود وابن ماجه والترمذي واللفظ له عن أبي هريرة مرفوعًا: إن أوّل ما يحاسب به يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر وإن انتقص من فريضته شيء قال الرب تبارك وتعالى: انظروا هل لعبدي من تطوّع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله مثل ذلك.

    وروى الحاكم في الكنى عن ابن عمر مرفوعًا: أوّل ما افترض الله تعالى على أمّتي الصلوات الخمس، وأوّل ما يرفع من أعمالهم الصلوات الخمس، وأوّل ما يسألون عن الصلوات الخمس، فمن كان ضيع شيئًا يقول الله: انظروا هل تجدون لعبدي نافلة من صلاة تتمون بها ما نقص من الفريضة، وانظروا في صيام عبدي شهر رمضان فإن كان ضيع شيئًا منه فانظروا هل تجدون لعبدي نافلة من صيام تتمون بها ما نقص من الصيام، وانظروا في زكاة عبدي فإن كان ضيع شيئًا منها فانظروا هل تجدون نافلة من صدقة تتمون بها ما نقص من الزكاة، فيؤخذ ذلك على فرائض الله وذلك برحمة الله وعدله فإذا وجد فضلاً وضع في ميزانه وقيل له ادخل الجنة مسرورًا، وإن لم يوجد له شيء أمرت به الزبانية فأخذوا بيديه ورجليه ثم قذف في النار.

    قال ابن عبد البر: ومعنى ذلك عندي فيمن سها عن فريضة أو نسيها أما تركها عمدًا فلا يكمل له من تطوّع لأنه من الكبائر لا يكفرها إلا الإتيان بها وهي توبته.

    (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت كان أحب العمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) يروى برفع أحب اسم كان ونصبه خبر والاسم قوله (الذي يدوم) يواظب (عليه صاحبه) وإن قلّ كما في الصحيحين من طريق أبي سلمة عن عائشة لأنه يكون منه أكثر من الكثير الذي يفعل مرّة أو مرّتين ثم يترك ويترك العزم عليه والعزم على العمل الصالح مما يثاب عليه قاله الباجي.

    وقال النووي: بدوام القليل تستمر الطاعة بالذكر والمراقبة والإخلاص والإقبال على الله بخلاف الكثير الشاق حتى ينمو القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة.

    قال ابن الجوزي: إنما أحب الدائم لمعنيين أحدهما أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل وهو متعرض للذم، ولذا ورد الوعيد في حق من حفظ آية ثم نسيها وإن كان قبل حفظها لا يتعين عليه. ثانيهما أنّ مداوم الخير ملازم للخدمة وليس من لازم الباب في كل يوم وقتًا مّا كمن لازم يومًا كاملاً ثم انقطع.

    وهذا الحديث يوضح أنّ حديث عليكم من الأعمال ما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه. ضمير إليه للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية للشيخين أيضًا: وكان أحب الدين إلى الله ولا خلف بينهما فما كان أحب إلى الله كان أحب إلى رسوله، وأخرجه البخاري حدّثنا قتيبة عن مالك به.

    (مالك أنه بلغه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه قال: كان رجلان أخوان فهلك) أي مات وهي لفظة ليست مستنكرة في كلام العرب والزمن القديم قال تعالى: {{ حَتَّى إِذَا هَلَكَ }}فأمّا الآن فاستعملوها فيمن مات كافرًا أو ظاهرًا فجوره فلا يجوز استعمالها الآن في المسلم الميت (أحدهما قبل صاحبه بأربعين ليلة فذكرت فضيلة الأول عند رسول الله صلى الله عليه وسلم) فيه جواز الثناء على الميت والإخبار بفضله، ومنه الحديث: أنتم شهداء الله في الأرض. وإنما يجوز الثناء بفعله ولا يخبر بما يصير إليه لأنه أمر مغيب عنا، وأمّا الحي فإن خيف فتنته بذكر محاسنه منع لقوله صلى الله عليه وسلم إذ سمع رجلاً يثني على رجل ويطريه في المدح: أهلكتم - أو قطعتم - ظهر الرجل وإن لم يخف جاز لقوله صلى الله عليه وسلم: إيه يا ابن الخطاب فوالذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك قاله الباجي.

    (فقال) صلى الله عليه وسلم: (ألم يكن الآخر) بكسر الخاء المتأخر في الوفاة وفتحها أي الأخ الذي تأخرت وفاته عن أخيه (مسلمًا. قالوا: بلى يا رسول الله وكان لا بأس به) قال الباجي: هذه اللفظة تستعمل في التخاطب فيما يقرب معناه ولا يراد المبالغة بتفضيله (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريكم ما بلغت به صلاته) في الأربعين ليلة التي عاشها بعد أخيه (إنما مثل الصلاة كمثل نهر غمر) بفتح المعجمة وسكون الميم أي كثير الماء (عذب بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات فما ترون ذلك يبقي) بالباء لا بالنون قاله أبو عمر (من درنه) أي وسخه (فإنكم لا تدرون ما بلغت به صلاته) أعاده زيادة تأكيد في البعد عن التفضيل بلا علم.

    قال ابن عبد البر: فيه دلالة على أنّ الماء العذب أنقى للدرن كما أنّ الكثير أشدّ إنقاء من اليسير.

    قال أبو زرعة الرازي: خطر ببالي تقصيري في الأعمال فكبر عليّ فرأيت في منامي آتيًا أتاني فضرب بين كتفي وقال: قد أكثرت في العبادة أي عبادة أفضل من الصلوات الخمس في جماعة. قال أعني ابن عبد البر لا تحفظ قصة الأخوين من حديث سعد إلا في بلاغ مالك هذا، وقد أنكره البزار وقطع بأنه لا يوجد من حديث سعد البتة وما كان ينبغي له ذلك لأنّ مراسيل مالك أصولها صحاح، وجائز أن يروي هذا الحديث سعد وغيره، وقد رواه ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن عامر بن سعد عن أبيه مثل حديث مالك سواء، وأظن مالكًا أخذه من كتب بكير أو أخبره به عنه مخرمة ابنه فإنّ ابن وهب انفرد به لم يروه أحد غيره فيما قال جماعة من أهل الحديث، وتحفظ قصة الأخوين من حديث طلحة بن عبيد الله وأبي هريرة وعبيد بن خالد انتهى.

    (مالك أنه بلغه أن عطاء بن يسار كان إذا مر عليه بعض من يبيع في المسجد دعاه فسأله ما معك وما تريد فإن أخبره أنه يريد أن يبيعه قال عليك بسوق الدنيا فإنما هذا سوق الآخرة) أخذًا من قوله تعالى: {{ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ }}والصلاة أفضلها وكذلك انتظارها. قال صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الرجل يبيع ويشتري في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم الرجل ينشد الضالة في المسجد فقولوا: لا ردّها الله عليك وقال تعالى: {{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ }}الآية. قاله أبو عمر.

    (مالك أنه بلغه) كذا ليحيى ولغيره مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه (أن عمر بن الخطاب بنى رحبة في ناحية المسجد تسمى البطيحاء) بضم الباء وفتح الطاء وإسكان التحتية ومهملة تصغير بطحاء (وقال: من كان يريد أن يلغط) بفتح أوّله وثالثه يتكلم بكلام فيه جلبة واختلاط ولا يتبين (أو ينشد شعرًا أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة) تعظيمًا للمسجد لأنه إنما وضع للصلاة والذكر قال تعالى: {{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ }}الآية.

    قال أبو عمر: عارضه بعضهم بحديث أبي هريرة أن عمر أنكر على حسان إنشاد الشعر في المسجد فقال قد كنت أنشد فيه مع من هو خير منك فسكت عمر ومحل هذا في الشعر الذي ليس فيه منكر وحسبك ما ينشده لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّا ما فيه الفخر بآباء كفار والتشبيب بالنساء أو شيء من الخنا فلا يجوز في مسجد ولا غيره، والمسجد أولى بالتنزيه من غيره والشعر كلام موزون فحسنه حسن وقبيحه قبيح وفي الحديث: إن من الشعر حكمة.

    وروى أبو داود وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تتناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والشراء في المسجد إلا أن الشعر وإن كان حسنًا فلا ينبغي أن ينشد في المسجد إلا غبًا لأن إنشاد حسان كذلك كان.

    وقال الباجي: لما رأى عمر كثرة جلوس الناس وتحدّثهم في المسجد وربما أخرجهم ذلك إلى اللغط وربما أنشدوا أثناء ذلك بنى البطيحاء ليخلص المسجد لذكر الله ولم يرد أن ذلك محرم فيه، وإنما هو لتنزيه المساجد لا سيما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

    وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ. اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ.

    (مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير) بن العوّام القرشي الأسدي أبي الحارث المدني التابعي ثقة عابد مات سنة إحدى وعشرين ومائة (عن عمرو) بفتح العين (بن سليم) بضم السين (الزرقي) بضم الزاي وفتح الراء وقاف الأنصاري (عن أبي قتادة) الحارث ويقال عمرو أو النعمان بن ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة فمهملة (الأنصاري) صحابي شهير.

    (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة) بضم الهمزة وتخفيف الميمين كانت صغيرة في عهده صلى الله عليه وسلم وتزوّجها عليّ بعد فاطمة بوصية منها ولم تعقب والمشهور في الروايات تنوين حامل ونصب أمامة وروي بالإضافة كما قرئ قوله تعالى: {{ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ }}بالوجهين ويظهر أثرهما في قوله (بنت زينب) فتفتح وتكسر بالاعتبارين (بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم) أكبر بناته والإضافة بمعنى اللام فأظهر في المعطوف وهو قوله (ولأبي العاصي) ما هو مقدّر في المعطوف عليه قاله الكرماني، وأشار ابن العطار إلى أنّ حكمة ذلك كون والد أمامة كان إذ ذاك مشركًا فنسبت إلى أمّها تنبيهًا على أن الولد ينسب إلى أشرف أبويه دينًا ونسبًا ثم بيّن أنها بنت أبي العاصي تبيينًا لحقيقة نسبها.

    قال الحافظ: وهذا السياق لمالك وحده وقد رواه غيره عن عامر بن عبد الله فنسبوها إلى أبيها ثم بينوا أنها بنت زينب كما في مسلم وغيره، ولأحمد من طريق المقبري عن عمرو بن سليم يحمل أمامة بنت أبي العاصي وأمّها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاتقه، وكذا رواه عبد الرزاق عن مالك بإسناده فزاد على عاتقه، وكذا لمسلم وغيره من طرق أخرى، ولأحمد من طريق ابن جريج على رقبته.

    (بن ربيعة) كذا ليحيى وجمهور الرواة ورواه يحيى بن بكير ومعن بن عيسى وأبو مصعب وغيرهم ابن الربيع وهو الصواب وادّعى الأصيلي أنه ابن الربيع بن ربيعة فنسب إلى جدّه وردّه عياض والقرطبي وغيرهما لإطباق النسابين على خلافه نعم نسبه إلى جدّه في قوله (بن عبد شمس) وإنما هو ابن عبد العزى بن عبد شمس بإطباق النسابين أيضًا واسم أبي العاصي لقيط وقيل مقسم وقيل القاسم وقيل مهشم وقيل هشيم وقيل ياسر، أسلم قبل الفتح وهاجر، وردّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم زينب وماتت معه وأثنى عليه في مصاهرته وتوفي في خلافة الصدّيق.

    (فإذا سجد وضعها) كذا لمالك أيضًا. ولمسلم من طريق عثمان بن أبي سليمان ومحمد بن عجلان، والنسائي من طريق الزبيدي، وأحمد من طريق ابن جريج، وابن حبان من طريق أبي العميس كلهم عن عامر شيخ مالك إذا ركع وضعها (وإذا قام حملها) ولمسلم: فإذا قام أعادها ولأحمد من طريق ابن جريج وإذا قام حملها فوضعها على رقبته، ولأبي داود من طريق المقبري عن عمرو بن سليم: حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردّها مكانها وهذا صريح في أن فعل الحمل والوضع كان منه لا منها، بخلاف ما أوّله الخطابي وابن دقيق العيد بأن الفعل الصادر منه هو الوضع لا الرفع لتعلقها به إذا سجد فينهض فتبقى محمولة حتى يركع فيضعها فيقل العمل.

    واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث لأنه عمل كثير، فروى ابن القاسم عن مالك أنه كان في النافلة، واستبعده المازري وعياض والقرطبي لما في مسلم رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة على عاتقه. قال المازري: إمامته بالناس في النافلة ليست بمعهودة ولأبي داود بينا نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر وقد دعاه بلال إلى الصلاة إذ خرج إلينا وأمامة على عاتقه فقام في مصلاه فقمنا خلفه فكبر وكبرنا وهي في مكانها انتهى.

    لكن أعل ذلك ابن عبد البر بأن أبا داود رواه من طريق ابن إسحاق عن المقبري، وقد رواه الليث عن المقبري فلم يقل في الظهر أو العصر فلا دلالة فيه على أنه في فريضة انتهى.

    ورواية الليث أخرجها البخاري في الأدب، والاستبعاد لا يمنع الوقوع وقد أمّ في النفل في قصتي مليكة وعتبان وغيرهما وعند الزبير بن بكار، وتبعه السهيلي الصبح، ووهم من عزاه للصحيحين. قال القرطبي: وروى أشهب وعبد الله بن نافع عن مالك أن ذلك لضرورة حيث لم يجد من يكفيه أمرها، وقال بعض أصحابه: لأنه لو تركها لبكت وشغلت سره في صلاته أكثر من شغله بحملها، وقال الباجي: إن وجد من يكفيه أمرها جاز في النافلة دون الفريضة وإن لم يجد جاز فيهما، قال القرطبي: وروى عبد الله بن يوسف عن مالك أنّ الحديث منسوخ. قال الحافظ: وروى ذلك الإسماعيلي لكنه غير صحيح ولفظه، قال التنيسي قال مالك من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ناسخ ومنسوخ وليس العمل على هذا، وقال ابن عبد البر: لعله نسخ بتحريم العمل في الصلاة، وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال وبأن هذه القصة كانت بعد قوله صلى الله عليه وسلم: إن في الصلاة لشغلاً لأنه كان قبل الهجرة بمدّة مديدة، وذكر عياض عن بعضهم أنه من خصائصه لعصمته من أن تبول وهو حاملها، وردّ بأنّ الأصل عدم الاختصاص وبأنه لا يلزم من ثبوته في أمر ثبوته في غيره بلا دليل ولا دخل للقياس في مثله، وحمله أكثر العلماء على أنه عمل غير متوال لوجود الطمأنينة في أركان صلاته، وقال النووي: ادّعى بعض المالكية أنه منسوخ، وبعضهم من الخصائص، وبعضهم أنه لضرورة وكله دعاوى باطلة مردودة لا دليل عليها.

    وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع لأن الآدمي طاهر وما في جوفه معفو عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة، والأعمال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت وتفرّقت ودلائل الشرع متظاهرة على ذلك، وإنما فعله صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز. وقال الفاكهاني: كأن السرّ فيه دفع ما ألفته العرب من كراهة البنات وحملهن فخالفهم حتى في الصلاة للمبالغة في ردعهم والبيان بالفعل قد يكون أقوى من القول، وفيه ترجيح العمل بالأصل على الغالب. ورده ابن دقيق العيد بأنّ حكايات الأحوال لا عموم لها أي لاحتمال أن أمامة كانت حينئذ قد غسلت وجواز إدخال الصبيان المساجد وصحة صلاة من حمل آدميًا وتواضعه صلى الله عليه وسلم وشفقته على الأطفال وإكرامه لهم جبرًا لهم ولوالديهم انتهى.

    وفي التمهيد حمله العلماء على أنّ أمامة كانت عليها ثياب طاهرة، وأنه أمن منها ما يحدث من الصبيان من البول.

    والحديث رواه البخاري في الصلاة عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن عبد الله بن مسلمة، وقتيبة ويحيى التميمي أربعتهم عن مالك به، وتابعه عثمان بن سليمان وابن عجلان عن عامر به عند مسلم.

    (مالك عن أبي الزناد) بكسر الزاي وخفة النون عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يتعاقبون فيكم) أي تأتي طائفة عقب طائفة ثم تعود الأولى عقب الثانية. قال ابن عبد البر: وإنما يكون التعاقب بين طائفتين أو رجلين يأتي هذا مرّة ويعقبه هذا، ومنه تعقيب الجيوش وتوارد جماعة من الشراح، ووافقهم ابن مالك على أن الواو علامة الفاعل المذكر المجموع على لغة بني الحارث القائلين أكلوني البراغيث وهي فاشية حمل عليها الأخفش: {{ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا }}

    قال القرطبي: وتعسف بعض النحاة وردها للبدل وهو تكلف مستغنى عنه لاشتهار تلك اللغة ولها وجه من القياس واضح، وقال غيره في تأويل الآية {{ وَأَسَرُّوا }}عائد إلى الناس أوّلاً و {{ الَّذِينَ ظَلَمُوا }}بدل من الضمير، وقيل تقديره لما قيل {{ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى }}قيل: من هم؟ قال: {{ الَّذِينَ ظَلَمُوا }}وحكاه النووي والأوّل أقرب ولم يختلف على مالك في لفظ يتعاقبون فيكم ملائكة، وتابعه عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أخرجه سعيد بن منصور عنه.

    وللبخاري في بدء الخلق من طريق شعيب بن أبي جمرة عن أبي الزناد بلفظ: الملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، والنسائي من طريق موسى بن عقبة عن أبي الزناد بلفظ: إنّ الملائكة يتعاقبون فيكم فاختلف فيه على أبي الزناد، فالظاهر أنه كان تارة يذكره هكذا وتارة هكذا فيقوي قول أبي حيان هذه الطريقة اختصرها الراوي، ويؤيده أن غير الأعرج من أصحاب أبي هريرة رواه تامًا فأخرجه أحمد ومسلم من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة مثل رواية موسى بن عقبة، لكن بحذف إنّ من أوّله، ولابن خزيمة والسراج والبزار عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: إن لله ملائكة يتعاقبون، ولذا شرح أبو حيان في العزو للبزار بأن العزو للطريق المتحدة مع الطريق التي وقع القول فيها أولى من طريق مغايرة لها فليعز إلى البخاري والنسائي قاله الحافظ ملخصًا.

    (ملائكة بالليل وملائكة بالنهار) بتنكيرهما لإفادة أن الثانية غير الأولى كما قيل في قوله تعالى: {{ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا }}إنه استئناف وعده تعالى بأن العسر مشفوع بيسر آخر، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: لن يغلب عسر يسرين فالعسر معرّف لا يتعدّد سواء كان للعهد أو للجنس واليسر منكر فيراد بالثاني فرد يغاير ما أريد بالأوّل، ونقل عياض وغيره عن الجمهور أنهم الحفظة وتردد فيه ابن بزيزة، وقال القرطبي: الأظهر عندي أنهم غيرهم، وقوّاه الحافظ بأنه لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد ولا أنّ حفظة الليل غير حفظة النهار، وبأنه لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله: كيف تركتم عبادي؟ وتعقبه السيوطي بقوله: بل نقل ذلك أخرج ابن أبي زمنين في كتاب السنة بسنده عن الحسن قال: الحفظة أربعة يعتقبونه ملكان بالليل وملكان بالنهار تجتمع هذه الأملاك الأربعة عند صلاة الفجر وهو قوله {{ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا }}

    وأخرج أبو الشيخ في كتاب العظمة عن ابن المبارك قال: وكل به خمسة أملاك ملكان بالليل وملكان بالنهار يجيئان ويذهبان وملك خامس لا يفارقه ليلاً ولا نهارًا.

    وأخرج أبو نعيم في كتاب الصلاة عن الأسود بن يزيد النخعي قال: يلتقي الحارسان عند صلاة الصبح فيسلم بعضهم على بعض فتصعد ملائكة الليل وتلبث ملائكة النهار، وفيه نظر فالحافظ ذكر أثر الأسود بعد ذلك، وحمله على أنّ المراد بالحارسين ملائكة الليل والنهار، ويأتي كلامه ومثله يحمل أثر الحسن لقوله: يعتقبونه فهما بمعنى حديث الباب المختلف في المراد بالملائكة فيه، وكذا هو الظاهر من أثر ابن المبارك لقوله يجيئان ويذهبان على أنّ الظاهر أنّ مراد الحافظ لم ينقل في المرفوع، بل نقل فيه خلافه، وأنّ الحفظة إنما تفارق الإنسان حين قضاء الحاجة وإفضائه إلى أهله.

    (ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر) أي الصبح. قال الزين بن المنير: التعاقب مغاير للاجتماع لكن ذلك منزل على حالين. قال الحافظ: وهو ظاهر، وقال ابن عبد البر: الأظهر أنهم يشهدون معهم الصلاة في الجماعة واللفظ محتمل للجماعة وغيرها كما يحتمل أن التعاقب يقع بين طائفتين دون غيرهم وأن يقع التعاقب بينهم في النوع لا في الشخص.

    قال عياض: وحكمة اجتماعهم في هاتين الصلاتين من لطف الله تعالى بعباده وإكرامه لهم بأن جعل اجتماع ملائكته في حال طاعة عباده لتكون شهادتهم لهم بأحسن الشهادة، وفيه شيء لأنه رجح أنهم الحفظة، ولا شك أنّ الصاعدين كانوا مقيمين عندهم مشاهدين لأعمالهم في جميع الأوقات، فالأولى أن يقال حكمة كونه تعالى لا يسألهم إلا عن الحالة التي تركوهم عليها ما ذكر، ويحتمل أن يقال الله تعالى يستر عنهم ما يعملونه فيما بين الوقتين لكنه بناء على أنهم غير الحفظة، وفيه إشارة إلى الحديث الآخر: الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما فلذا وقع السؤال من كل طائفة عن آخر شيء فارقوهم عليه.

    (ثم يعرج الذين باتوا فيكم) أي المصلون (فيسألهم) ربهم (وهو أعلم بهم) أي بالمصلين من الملائكة فحذف صلة أفعل التفضيل. قال الحافظ: اختلف في سؤال الذين باتوا دون الذين ظلموا فقيل من الاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر كقوله تعالى: {{ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى }}أي وإن لم تنفع و {{ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ }}أي والبرد أشار إليه ابن التين وغيره، ثم قيل حكمة الاقتصار على ذلك أن حكم طرفي النهار يعلم من حكم طرفي الليل، فلو ذكره كان تكرارًا وحكمة الاقتصار على هذا الشق دون الآخر أن الليل مظنة المعصية فلما لم يقع فيه مع إمكان دواعي الفعل من الإخفاء ونحوه واشتغلوا بالطاعة كان النهار أولى بذلك، فالسؤال عن الليل أبلغ من النهار لأنه محل الاشتهار، وقيل: لأن ملائكة الليل إذا صلوا الفجر عرجوا في الحال وملائكة النهار إذا صلوا العصر لبثوا إلى آخر النهار لضبط بقية عمل النهار وهذا ضعيف لأنه يقتضي أن ملائكة النهار لا يسألون عن وقت العصر وهو خلاف ظاهر الحديث، ثم هو مبني على أنهم الحفظة وفيه نظر، وقيل بناء أيضًا على أنهم الحفظة أنهم ملائكة النهار فقط وهم لا يبرحون عن ملازمة بني آدم وملائكة الليل هم الذين يعرجون ويتعاقبون.

    ويؤيده ما رواه أبو نعيم في كتاب الصلاة عن الأسود بن يزيد النخعي قال: يلتقي الحارسان أي ملائكة الليل وملائكة النهار عند صلاة الصبح فيسلم بعضهم على بعض فتصعد ملائكة الليل وتلبث ملائكة النهار، وقيل: يحتمل أن العروج إنما يقع عند صلاة الفجر خاصة، وأما النزول فيقع في الصلاتين معًا وفيه التعاقب وصورته: أن تنزل طائفة عند العصر وتبيت ثم تنزل طائفة عند الفجر فتجتمع الطائفتان في صلاة الفجر ثم يعرج الذين باتوا فقط ويستمر الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر فتنزل الطائفة الأخرى فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضًا ولا يصعد منهم أحد بل تبيت الطائفتان أيضًا ثم يعرج إحدى الطائفتين ويستمر ذلك فتصح صورة التعاقب مع اختصاص النزول بالعصر والعروج بالفجر، فلذا خص السؤال بالذين باتوا، وقيل قوله: ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر وهم لأنه ثبت في طرق كثيرة أن الاجتماع في صلاة الفجر من غير ذكر صلاة العصر كما في الصحيحين عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة في أثناء حديث قال فيه: ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر قال أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم {{ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا }}

    وللترمذي والنسائي من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى: {{ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا }}قال: تشهده ملائكة الليل والنهار. وروى ابن مردويه عن أبي الدرداء مرفوعًا نحوه. قال ابن عبد البر: ليس في هذا دفع للرواية التي فيها ذكر العصر فلا يلزم من عدم ذكر العصر في الآية والحديث الآخر عدم اجتماعهم في العصر لأن المسكوت عنه قد يكون في حكم المذكور بدليل آخر. قال: ويحتمل أن الاقتصار وقع في الفجر لأنها جهرية وبحثه الأوّل متجه لأنه لا سبيل إلى دعوى توهيم الراوي الثقة مع إمكان التوفيق بين الروايات، ولا سيما والزيادة من العدل الضابط مقبولة، ولم لا يقال رواية من لم يذكر سؤال الذين أقاموا في النهار تقصير من بعض الرواة، أو يحمل قوله ثم يعرج الذين باتوا على أعم من المبيت بالليل والإقامة بالنهار فلا يخلص ذلك بليل دون نهار ولا عكسه، بل كل طائفة منهم إذا صعدت سئلت غايته أنه استعمل لفظ بات في أقام مجازًا ويكون قوله فيسألهم أي كلاً من الطائفتين في الوقت الذي تصعد فيه ويدل على هذا العمل رواية موسى بن عقبة عن أبي الزناد عند النسائي، ولفظه: ثم يعرج الذين كانوا فعلى هذا لم يقع في المتن اختصار ولا اقتصار، وهذا أقرب الأجوبة.

    وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق أخرى واضحًا وفيه التصريح بسؤال كل من الطائفتين، وذلك فيما رواه ابن خزيمة والسراج عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر فتصعد ملائكة النهار وتبيت ملائكة الليل فيسألهم ربهم كيف تركتم عبادي؟ الحديث. وهذه الرواية تزيل الإشكال وتغني عن كثير من الاحتمالات المتقدمة فهي المعتمدة ويحمل ما نقص منها على تقصير من بعض الرواة انتهى. فما أكثر فوائده.

    (كيف تركتم عبادي) المذكورين في قوله تعالى: {{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ }}ووقع السؤال عن آخر الأعمال لأن الأعمال بخواتيمها قاله ابن أبي جمرة. قال عياض: هذا السؤال على سبيل التعبد للملائكة كما أمروا أن يكتبوا أعمال بني آدم وهو سبحانه أعلم بالجميع من الجميع، وقال غيره: الحكمة فيه استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير واستعطافهم بما يقتضي التعطف عليهم وذلك لإظهار الحكمة في خلق نوع الإنسان في مقابلة من قال من الملائكة: {{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }}أي قد وجدتم فيهم من يسبح ويقدس مثلكم بشهادتكم.

    (فيقولون تركناهم وهم يصلون) الواو للحال ولا يلزم منه أنهم فارقوهم قبل انقضاء الصلاة فلم يشهدوها معهم، والخبر ناطق بأنهم يشهدونها لأنه محمول على أنهم شهدوا الصلاة مع من صلاها أول وقتها وشهدوا من دخل فيها بعد ذلك، ومن شرع في أسباب ذلك قاله ابن التين. وقال غيره: ظاهره أنهم فارقوهم عند شروعهم في الصلاة سواء تمت أو منع مانع من إتمامها، وسواء شرع الجميع فيها أم لا لأن المنتظر في حكم المصلي، ويحتمل أن المراد بقوله وهم يصلون أي ينتظرون صلاة المغرب وبدؤوا بالترك قبل الإتيان مطابقة للسؤال فلم يراعوا الترتيب الوجودي لأن المخبر به صلاة العباد والأعمال بخواتيمها فناسب إخبارهم عن آخر عملهم قبل أوله.

    ثم زادوا في الجواب لإظهار فضيلة المصلين والحرص على ذكر ما يوجب مغفرة ذنوبهم فقالوا: (وأتيناهم وهم يصلون) زاد ابن خزيمة فاغفر لهم يوم الدين. قال ابن أبي جمرة: أجابت الملائكة بأكثر مما سئلوا عنه لعلمهم أنه سؤال يستدعي التعطف فزادوا في موجب ذلك. قال: وفيه أن الصلاة أعلى العبادات لأن عليها وقع السؤال، والجواب وإشارة إلى عظم هاتين الصلاتين لاجتماع الطائفتين فيهما وفي غيرهما طائفة واحدة وإلى شرف الوقتين المذكورين، وقد ورد أن الرزق يقسم بعد صلاة الصبح وأنّ الأعمال ترفع آخر النهار فمن كان في طاعة بورك في رزقه وفي عمله ويترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما والاهتمام بهما وفيه تشريف هذه الأمّة على غيرها ويستلزم تشريف نبيها على غيره والإخبار بالغيوب ويترتب عليه زيادة الإيمان والإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتى نتيقظ ونتحفظ في الأوامر والنواهي ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رسل ربنا وسؤال ربنا عنا وفيه إعلامنا بحب الملائكة لنا لنزداد فيهم حبًا ونتقرّب إلى الله بذلك وكلام الله مع ملائكته وفيه غير ذلك.

    وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف وفي التوحيد عن إسماعيل، ومسلم عن يحيى بن يحيى الثلاثة عن مالك به.

    (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم) هكذا رواه جماعة عن مالك موصولاً وهو في أكثر نسخ الموطأ مرسل ليس فيه عائشة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال) في مرضه الذي مات فيه لما اشتدّ مرضه كما في الصحيح من وجه آخر عن عائشة (مروا) بضمتين بوزن كلوا من غير همز تخفيفًا (أبا بكر) الصديق (فليصل) بسكون اللام الأولى ويروى بكسرها مع زيادة ياء مفتوحة بعد الثانية (للناس) باللام وفي رواية بالباء وفيه أن الأمر بالأمر بالشيء يكون أمرًا به وهي مسألة معروفة في الأصول وأجاب المانعون بأن المعنى بلغوا أبا بكر أني أمرته، وفصل النزاع أن الثاني إن أراد أنه ليس أمرًا حقيقة فمسلم إذ ليس فيه صيغة أمر للثاني وإن أراد أنه لا يستلزم فمردود.

    (فقالت عائشة: إن أبا بكر يا رسول الله) زاد الأسود عن عائشة رجل أسيف كما في الصحيحين فعيل بمعنى فاعل من الأسف شدّة الحزن والمراد رقيق القلب، وفي رواية ابن عمر وأبي موسى في الصحيح فقالت عائشة: إنه رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء (إذا قام في مقامك) وفي رواية بحذف في (لم يسمع الناس من البكاء) لرقة قلبه (فمر عمر) بن الخطاب (فليصلي) بكسر اللام الأولى وكسر الثانية بعدها ياء مفتوحة وفي رواية بلا ياء وإسكان اللام الأولى (للناس) باللام والباء (قال: مروا أبا بكر فليصل للناس) بلام وموحدة بدلها (قالت عائشة: فقلت لحفصة) بنت عمر (قولي له) صلى الله عليه وسلم (إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء) قراءته (فمر عمر فليصل) بالجزم (بالناس) بموحدة أو لام (ففعلت حفصة) ذلك (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم) زاد البخاري من هذه الطريق مه اسم فعل مبني على السكون زجر بمعنى اكففي (إنكن لأنتن صواحب يوسف) جمع صاحبة، والمراد أنهنّ مثلهن في إظهار خلاف ما في الباطن، والخطاب وإن كان بلفظ الجمع فالمراد به عائشة فقط كما أن صواحب جمع والمراد زليخا فقط، ووجه المشابهة أن زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة، ومرادها زيادة على ذلك وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ويعذرنها في محبته، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه، ومرادها هي زيادة على ذلك وهو أن لا يتشاءم الناس به وصرحت هي بعد ذلك به فقالت: لقد راجعته وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلاً قام مقامه أبدًا كما في الصحيحين، وبهذا التقرير يندفع إشكال من قال لم يقع من صواحب يوسف إظهار ما يخالف ما في الباطن.

    وفي أمالي ابن عبد السلام: أنهن أتين امرأة العزيز يظهرن تعنيفها ومقصودهن في الباطن أن يدعون يوسف إلى أنفسهن وليس في سياق الآية ما يساعد ما قال ذكره الحافظ.

    وقال الباجي: أراد أنهن قد دعون إلى غير صواب كما دعين فهن من جنسهن، وأنكر صلى الله عليه وسلم مراجعتهن بأمر تكرر سماعه ولم يره فذكرهما بفساد رأي من تقدم من جنسهن وفيه جواز القول بالرأي، ولذا أقرهما على اعترافهما بالرأي بعد نصه على الحكم.

    وقال أبو عمر: أراد جنس النساء وأنهن يسعين إلى صرف الحق، وقد روي في غير هذا الحديث: أنتن صواحب يوسف وداود وجريج وفي الحديث: أنهن مائلات مميلات، وفيه: ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء، وخرج كلامه على جهة الغضب على أزواجه وهن فاضلات وأراد غيرهن من جنس النساء.

    (مروا أبا بكر فليصل للناس فقالت حفصة لعائشة ما كنت لأصيب منك خيرًا) لأن كلاهما صادف المرّة الثالثة من المعاودة، وكان صلى الله عليه وسلم لا يراجع بعد ثلاث، فلما أشار إلى الإنكار عليها بما ذكر وجدت حفصة في نفسها لأن عائشة هي التي أمرتها بذلك، ولعلها تذكرت ما وقع لها أيضًا معها في قصة المغافير قاله الحافظ، وقال أبو عمر فيه: أن المكترب ربما قال قولاً يحمله الحرج لأنه معلوم أن حفصة لم تعدم من عائشة خيرًا وإذا كان هذا في السلف الصالح فأحرى من دونهم، وزاد الدورقي في مسنده من وجه آخر أن أبا بكر هو الذي أمر عائشة أن تشير على النبي صلى الله عليه وسلم بأن يأمر عمر بالصلاة، وكذا في مرسل الحسن عند ابن أبي خيثمة زاد الأسود عن عائشة في الصحيحين فخرج أبو بكر فصلى، ولها أيضًا من وجه آخر فأتاه الرسول أي بلال فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر وكان رجلاً رقيقًا: يا عمر صل بالناس فقال له عمر: أنت أحق بذلك، قال الحافظ: ولم يرد أبو بكر بهذا ما أرادته عائشة. قال النووي: تأوّله بعضهم على أنه قاله تواضعًا وليس كذلك بل قاله للعذر المذكور وهو أنه رقيق القلب كثير البكاء فخشي أن لا يسمع الناس انتهى.

    ويحتمل أنه فهم من الإمامة الصغرى الإمامة العظمى وعلم ما في تحملها من الخطر وعلم قوة عمر على ذلك فاختاره، ويؤيده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوا عمر أو أبا عبيدة، والظاهر أنه لم يطلع على المراجعة المتقدمة وفهم من الأمر له بذلك تفويض الأمر له بذلك سواء باشر بنفسه أو استخلف. قال القرطبي: يستفاد منه أن للمستخلف في الصلاة أن يستخلف ولا يتوقف على إذن خاص له بذلك انتهى.

    قال أبو عمر: استدل الصحابة بذلك على أنه أولى بالخلافة فرضوا لدنياهم من رضيه صلى الله عليه وسلم لدينهم وما منعه أن يصرح بخلافته إلا أنه كان لا ينطق في دين الله بهواه بل بما يوحى إليه ولم يوح إليه في الخلافة بشيء، وكان لا يتقدم بين يدي ربه إلا أنه كان يحب أن يكون أبو بكر الخليفة، فأراهم بتقديمه للصلاة موضع اختياره فخار الله ذلك للمسلمين فقاتل أهل الردّة وقام بأمر الله وقال عمر للأنصار يوم السقيفة: أنشدكم الله هل تعلمون أنه صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس؟ قالوا: نعم. قال: أيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: كلنا لا تطيب نفسه بذلك. قال ابن مسعود: فكان رجوع الأنصار لكلام عمر انتهى.

    وأخرجه البخاري في الصلاة عن عبد الله بن يوسف وفي الاعتصام عن إسماعيل كلاهما عن مالك به.

    (مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي) المدني نزيل الشام ثقة من رجال الجميع مات سنة خمس أو سبع ومائة وقد جاوز الثمانين (عن عبيد الله) بضم العين (بن عدي بن الخيار) بكسر المعجمة وخفة التحتية ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي المدني قتل أبوه ببدر وكان هو في الفتح مميزًا فعدّ في الصحابة لذلك، وعدّه العجلي وغيره في ثقات كبار التابعين من حيث الرواية ومات في آخر خلافة الوليد بن عبد الملك وخرج له الشيخان وأبو داود والنسائي.

    (أنه قال:) أرسله جميع رواة الموطأ إلا روح بن عبادة فرواه عن مالك موصولاً فقال عن رجل من الأنصار، ورواه الليث وابن أخي الزهري عن الزهري مثل رواية روح عن مالك سواء، ورواه صالح بن كيسان وأبو أويس عن الزهري عن عطاء عن عبيد الله عن عبد الله بن عدي الأنصاري فسمي الرجل المبهم، ذكره ابن عبد البر وأسند هذه الطرق كلها قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بين ظهراني الناس إذ جاءه رجل) هو عتبان بن مالك (فساره فلم يدر) بالبناء للمجهول (ما ساره به حتى جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يستأذنه في قتل رجل من المنافقين) هو مالك بن الدخشم كذا ذكر الباجي وابن عبد البر، ثم ساق حديث عتبان بن مالك المروي في الصحيحين وفي آخره فحبسناه على خزيرة صنعناها له فاجتمع رجال فقال قائل أين مالك؟ فقال بعضهم ذلك منافق لا يحب الله ورسوله فقال صلى الله عليه وسلم لا تقل ذلك الحديث.

    قال الحافظ: وليس فيه دليل على ما ادعاه من أن الذي سارّ هو عتبان، وأغرب بعض المتأخرين فنقل عن ابن عبد البر أن القائل في هذا الحديث ذلك منافق هو عتبان وليس فيه تصريح بذلك، وقال ابن عبد البر: لم يختلف في شهود مالك بدرًا وهو الذي أسر سهيل بن عمرو ثم ساق بإسناد حسن عن أبي هريرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن تكلم فيه: أليس قد شهد بدرًا. وفي مغازي ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم بعث مالكًا هذا ومعن بن عدي فحرقا مسجد الضرار فدل على أنه بريء مما اتهم به من النفاق أو كان قد أقلع عن ذلك أو النفاق الذي اتهم به ليس بنفاق الكفر، وإنما أنكر الصحابة عليه تودّده للمنافقين ولعل له عذرًا في ذلك كما وقع لحاطب.

    (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جهر: أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) وفي البخاري ألا تراه قد قال لا إله إلا الله وكأن الرجل فهم من الاستفهام أن لا جزم بذلك (فقال الرجل: بلى ولا شهادة له) لأنها بالظاهر فقط. وفي البخاري قال الله ورسوله أعلم فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين فإنما استدلوا على نفاقه بميله ونصحه للمنافقين فلم ير المصطفى ذلك يبيح دمه.

    (فقال) صلى الله عليه وسلم (أليس يصلي؟ قال: بلى ولا صلاة له) حقيقة (فقال صلى الله عليه وسلم: أولئك الذين نهاني الله عنهم) لئلا يقول الناس إنه يقتل أصحابه كما في حديث آخر أي فتنفر قلوب الناس عن الإسلام. قال الباجي: يعني نهاه عن قتلهم لمعنى الإيمان وإن جاز أن يلزمهم القتل بعد ذلك بما يلزم سائر المسلمين من القصاص والحدود.

    (مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) قال الباجي: دعاؤه بذلك التزام للعبودية، وروى أشهب عن مالك أنه لذلك كره أن يدفن في المسجد. قال ابن عبد البر: لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث.

    وأسنده البزار عن عمر بن محمد عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) محفوظ من طرق كثيرة صحاح وعمر بن محمد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب من ثقات أشراف أهل المدينة روى عنه مالك والثوري وسليمان بن بلال، فالحديث صحيح عند من يحتج بمراسيل الثقات، وعند من قال بالمسند لإسناد عمر بن محمد له بلفظ الموطأ سواء وهو ممن تقبل زيادته وله شاهد عند العقيلي من طريق سفيان عن حمزة بن المغيرة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه: اللهم لا تجعل قبري وثنًا لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قيل: معناه النهي عن السجود على قبور الأنبياء وقيل النهي عن اتخاذها قبلة يصلى إليها وإذا منع ذلك في قبره فسائر آثاره أحرى بذلك، وقد كره مالك وغيره طلب موضع شجرة بيعة الرضوان مخالفة لليهود والنصارى.

    (مالك عن ابن شهاب عن محمود بن الربيع) بن سراقة بن عمرو (الأنصاري) الخزرجي أبي محمد المدني صحابي صغير وجل روايته عن الصحابة أبو عمر، قال يحيى محمود بن لبيد غلط بين لم يروه أحد من أصحاب مالك ولا من أصحاب ابن شهاب إلا عن محمود بن الربيع (أن عتبان) بكسر المهملة ويجوز ضمها وسكون الفوقية (بن مالك) بن عمرو بن العجلان الأنصاري السالمي صحابي شهير، مات في خلافة معاوية.

    (كان يؤم قومه وهو أعمى) أي حين لقيه محمود وسمع منه الحديث لا حين سؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم ويبينه قوله في رواية يعقوب فجئت إلى عتبان وهو شيخ أعمى يؤم قومه فلا يخالف رواية إبراهيم بن سعد ومعمر والليث عند البخاري، ويونس في مسلم، والزبيدي والأوزاعي في الطبراني كلهم عن الزهري أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أنكرت بصري. وللطبراني من رواية أبي أويس لما ساء بصري، وللإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن نمر جعل بصري يكل، وكل ذلك ظاهر في أنه لم يكن بلغ العمى إذ ذاك.

    ويؤيد هذا الحمل رواية ابن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد: لما أنكرت بصري، وقوله في مسلم من طريق سليم بن المغيرة عن ثابت عن أنس عن عتبان أصابني في بصري بعض الشيء، فإنه ظاهر في أنه لم يكمل عماه لكن لمسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت بلفظ: أنه عمي فأرسل وجمع ابن خزيمة بين رواية مالك وغيره من أصحاب ابن شهاب فقال قوله: قد أنكرت بصري هذا اللفظ يطلق على من في بصره سوء وإن كان يبصر بصرًا مّا وعلى من صار أعمى لا يبصر شيئًا انتهى. والأولى أن يقال أطلق عليه العمى لقربه منه ومشارفته له في فوات ما كان يعهده في حال الصحة وبهذا تأتلف الروايات.

    (وأنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم) ظاهره مشافهة وهو أيضًا ظاهر رواية الليث أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمسلم في رواية ثابت عن أنس عن عتبان أنه بعث إلى النبي فيحتمل أنه نسب إتيان رسوله إلى نفسه مجازًا، لكن في الطبراني عن أبي أويس عن ابن شهاب بسنده أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم جمعة: لو أتيتني يا رسول الله وفيه أنه أتاه يوم السبت، فظاهره أن مخاطبة عتبان بذلك حقيقة لا مجازًا فيحمل على أنه أتاه مرة وبعث إليه أخرى إما متقاضيًا وإما مذكرًا.

    (إنها تكون الظلمة والمطر والسيل) سيل الماء، وفي رواية الليث وأنا أصلي لقومي فإذا كانت الأمطار سال في الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم (وأنا رجل ضرير البصر) أي أصابني منه ضر فهو كقوله: أنكرت بصري. قال أبو عمر: أي ناقصه فإذا عمي أطلق عليه ضرير من غير تقييد بالبصر وذكر هذه الأربعة وإن كفى كل واحد منها في عذر ترك الجماعة ليبين كثرة موانعه، وإنه حريص على الجماعة (فصل يا رسول الله في بيتي مكانًا) بالنصب على الظرفية وإن كان محدودًا لتوغله في الإبهام فأشبه خلف ونحوها أو على نزع الخافض أي في مكان (أتخذه) بالجزم في جواب الأمر أي إن تصل أتخذه وبالرفع والجملة في محل نصب صفة مكانًا أو مستأنفة لا محل لها (مصلى) بالميم موضعًا للصلاة.

    (فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي رواية الليث فغدا عليّ رسول الله وأبو بكر. زاد الإسماعيلي بالغد ولم يذكره جمهور الرواة عن ابن شهاب غيره حتى أن في رواية الأوزاعي فاستأذنا فأذنت لهما، لكن في رواية أبي أويس ومعه أبو بكر وعمر ولمسلم عن أنس عن عتبان فأتاني ومن شاء الله من أصحابه، وللطبراني في نفر من أصحابه. قال الحافظ: فيحتمل الجمع بأن أبا بكر صحبه وحده في ابتداء التوجه ثم عند الدخول أو قبله اجتمع عمر وغيره فدخلوا معه.

    (فقال: أين تحب أن أصلي) من بيتك (فأشار) عتبان (له) صلى الله عليه وسلم (إلى مكان من البيت) معين (فصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي رواية الليث فلم يجلس حين دخل البيت ثم قال: أين تحب أن أصلي من بيتك فأشرت له إلى ناحية من البيت فقام فكبرّ فقمنا فصففنا فصلى ركعتين ثم سلم. وفي رواية يعقوب عند البخاري والطيالسي: فلما دخل لم يجلس حتى قال: أين تحب وهي أبين في المراد لأنّ جلوسه إنما وقع بعد صلاته بخلاف ما وقع منه في بيت مليكة جلس فأكل ثم صلى لأنه هناك دعي إلى طعام فبدأ به وهنا دعي إلى الصلاة فبدأ بها وفيه إمامة الأعمى وإخبار المرء بعاهة نفسه ولا يكون من الشكوى والتخلف عن الجماعة لعذر واتخاذ موضع معين للصلاة والنهي عن إيطان موضع من المسجد معين عند أبي داود محمول على ما إذا استلزم رياء ونحوه وفيه غير ذلك.

    وأخرجه البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس حدّثني مالك به، ورواه مسلم وغيره وله طرق كثيرة بزيادات على ما هنا في الصحيحين وغيرهما.

    (مالك عن ابن شهاب عن عباد) بفتح العين وشد الموحدة (بن تميم) بن غزية الأنصاري المازني المدني تابعي ثقة وقيل له رؤية (عن عمه) هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني أخي أبيه لأمه (أنه رأى) أبصر (رسول الله صلى الله عليه وسلم) حال كونه (مستلقيًا) على ظهره (في المسجد) النبوي حال كونه (واضعًا إحدى رجليه على الأخرى).

    قال الحافظ: الظاهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز وكان ذلك في وقت الاستراحة لا عند مجتمع الناس لما عرف من عادته صلى الله عليه وسلم من الجلوس بينهم بالوقار التام فلا معارضة بينه وبين حديث جابر في الصحيحين نهى صلى الله عليه وسلم أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره، وجمع البيهقي والبغوي وغيرهما بأن النهي حيث يخشى بدوّ العورة والجواز حيث يؤمن ذلك وهو أولى من جزم ابن بطال ومن تبعه بأنه منسوخ ومن تجويز المازري اختصاصه لأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال انتهى.

    وكذا جوزه الباجي قال: لكن فعل عمر وعثمان يدل على العموم. قال الخطابي: وفيه جواز الاتكاء في المسجد والاضطجاع وأنواع الاستراحة. وقال الداودي: فيه أن الأجر الوارد للابث في المسجد لا يختص بالجالس بل يحصل للمستلقي أيضًا.

    وأخرجه البخاري وأبو داود عن عبد الله بن مسلمة، ومسلم في اللباس عن يحيى كليهما عن مالك به وتابعه ابن عيينة ويونس ومعمر كلهم عن الزهري مثله كما في مسلم.

    (مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما كانا يفعلان ذلك) قال أبو عمر: أردف المرفوع بفعلهما كأنه ذهب إلى أن نهيه منسوخ فاستدل على نسخه بعملهما، وأقل أحوال الأحاديث المتعارضة أن تسقط ويرجع إلى الأصل والأصل الإباحة حتى يرد منع بدليل لا معارض له انتهى. ولا يتعين ما قال بل يجوز أنه إشارة إلى أن نهيه للتنزيه أو حيث خشي ظهور العورة، وإنه لو كان للتحريم أو مطلقًا لم يفعله الخليفتان. وزاد الحميدي عن ابن مسعود أبا بكر الصديق.

    (مالك عن يحيى بن سعيد أن عبد الله بن مسعود قال لإنسان:) لم يسم (إنك في زمان كثير) بالجر صفة جرت على غير من هي له والرفع خبر لقوله (فقهاؤه) المستنبطون للأحكام من القرآن كما هو المعلوم من حال الصحابة (قليل) بالرفع والخفض كسابقه (قراؤه) الخالون من معرفة معانيه والفقه فيه فلم يرد أن قرّاء القرآن قليل في زمانه بل مدح زمانه بكثرة الفقهاء وجل فقههم إنما هو من القرآن، والاستنباط منه وأن من يقرؤه بلا فقه قليل ومحال أن يستنبط منه من لا يحفظه وأن يوصف بالفقه من لا يقرؤه وأن يقصد ابن مسعود مع فضله ومحله من تلاوة القرآن أن يمدح زمان الصحابة بقلة القراء فيه وهم كانوا ألهج الناس به لما رأوا من تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم من تعلمه وعلمه وتقديمه في اللحد من كان أكثر أخذًا للقرآن وندائه أصحابه يوم حنين أين أصحاب سورة البقرة أي التي يجل عن الفرار صاحبها، وإنما يدعو بمثل ذلك العدد الكثير إذ لا ينتفع في مواطن الشدائد بالواحد والاثنين ولا يكاد يكون من أصحاب سورة البقرة إلا من قرأ القرآن أو أكثره، فثبت أن تلاوة القرآن وحفظه من أفضل المناقب ولا يجوز أن يعاب به فيجب تأويل قول ابن مسعود بما قلنا.

    (تحفظ فيه حدود القرآن) بإقامتها والوقوف عندها وإظهار الحق وأحكام القرآن على ما يقتضيه وذلك عامّ بين راغب فيه، ومحمول عليه من منافق أو مسرف على نفسه ممن لم يدرك المصطفى وأن هذا الصنف لا يقرؤونه وإن التزموا أحكامه خوفًا من الصحابة والفضلاء وهذا مراده بقوله: (وتضيع حروفه) فلا يجوز حمله على ظاهره لأن ترك الحروف لا يخلو أن يزيد من نحو ألف ولام أو يزيد لغاته وفي تضييع أحد الأمرين منع من حفظه ولم يرد أن فضلاء الصحابة يضيعون حروفه إذ لو ضيعوها لم يصل أحد إلى معرفة حدوده إذ لا يعرف ما تضمن من الأحكام إلا من قرأ الحروف وعرف معانيها قاله كله الباجي. وقال السيوطي: أي المحافظون على حدوده أكثر من المحافظين على التوسع في معرفة أنواع القراءات. وقال البوني فيه: إن تعلم حدوده واجب وحفظ حروفه أي القراءات السبع مستحب.

    (قليل من يسأل) المال لكثرة المتعففين (كثير من يعطي) لكثرة المتصدّقين وقيل أراد من يسأل العلم لأنّ الناس حينئذ كانوا كلهم فقهاء (يطيلون فيه الصلاة) أفذاذًا أو جماعة بشرطه (ويقصرون) بضم أوّله وكسر الصاد من أقصر وبفتحه وضمها من قصر (الخطبة) أي يعملون بالسنة.

    قال أبو عمر: كان صلى الله عليه وسلم يأمر بذلك ويفعله وكان يخطب بكلمات قليلة طيبة، وكره التشدّق والموعوظ إنما يعتبر ما حفظ وذلك لا يكون إلا مع القلة، وقال ابن مسعود: كان صلى الله عليه وسلم يتخوّلنا أي يتعهدنا بالموعظة مخافة السآمة. قال الباجي: وفيه معنى آخر أن الخطبة وعظ والصلاة عمل يريد أن عملهم كثير ووعظهم قليل.

    (يبدون) بضم الياء وفتح الباء يقدّمون (أعمالهم قبل أهوائهم) قال الباجي: أي إذا عرض لهم عمل بر وهوى بدؤوا بعمل البر وقدّموه على ما يهوون وقال أبو عبد الملك هو مثل قوله تعالى: {{ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ }}الآية فإذا كانوا في أشغالهم وسمعوا نداء الصلاة قاموا إليها وتركوا أشغالهم. وقال أبو عمر: مدح ابن مسعود بذلك زمانه وقرنه خير القرون الممدوح على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وفيه أن تضييع حروف القرآن ليس به بأس.

    (وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه) لاشتغالهم بحظوظ أنفسهم عن طلب العلم (كثير قراؤه يحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده) عاب آخر الزمان بأن قرّاءه لا يفقهون ولا يعملون به وإنما غايتهم منه تلاوته، وفيه أنّ كثرة القراء دليل على تغير الزمان، وقد روي مرفوعًا: أكثر منافقي أمّتي قرّاؤها. وقال مالك: قد يقرأ القرآن من لا خير فيه والعيان في أهل هذا الزمان على صحة معنى هذا الحديث كالبرهان قاله أبو عمر.

    (كثير من يسأل) لقلة الصبر والتعفف (قليل من يعطي) لكثرة شح الأغنياء ومنعهم (يطيلون فيه الخطبة ويقصرون الصلاة) مخالفة للسنة أو وعظهم كثير وعملهم قليل (يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم) حبًا لاتباع الهوى.

    (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه قال: بلغني أن أول ما ينظر فيه من عمل العبد) أي الإنسان حرًا كان أو رقيقًا ذكرًا أو أنثى يوم القيامة (الصلاة) المفروضة وهي الخمس لأنها أوّل ما فرض بعد الإيمان وهي علمه وراية الإسلام (فإن قبلت منه نظر فيما بقي من عمله) لأنها أمّ العبادات (وإن لم تقبل منه لم ينظر في شيء من عمله) وهذا لا يكون رأيًا بل توقيفًا.

    وقد روي معناه مرفوعًا من وجوه قاله أبو عمر، وأقربها إلى لفظه ما أخرجه الطبراني في الأوسط وصححه الضياء عن أنس رفعه: أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة فإن صلحت صلح له سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله.

    وأخرج أبو داود وابن ماجه والترمذي واللفظ له عن أبي هريرة مرفوعًا: إن أوّل ما يحاسب به يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر وإن انتقص من فريضته شيء قال الرب تبارك وتعالى: انظروا هل لعبدي من تطوّع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله مثل ذلك.

    وروى الحاكم في الكنى عن ابن عمر مرفوعًا: أوّل ما افترض الله تعالى على أمّتي الصلوات الخمس، وأوّل ما يرفع من أعمالهم الصلوات الخمس، وأوّل ما يسألون عن الصلوات الخمس، فمن كان ضيع شيئًا يقول الله: انظروا هل تجدون لعبدي نافلة من صلاة تتمون بها ما نقص من الفريضة، وانظروا في صيام عبدي شهر رمضان فإن كان ضيع شيئًا منه فانظروا هل تجدون لعبدي نافلة من صيام تتمون بها ما نقص من الصيام، وانظروا في زكاة عبدي فإن كان ضيع شيئًا منها فانظروا هل تجدون نافلة من صدقة تتمون بها ما نقص من الزكاة، فيؤخذ ذلك على فرائض الله وذلك برحمة الله وعدله فإذا وجد فضلاً وضع في ميزانه وقيل له ادخل الجنة مسرورًا، وإن لم يوجد له شيء أمرت به الزبانية فأخذوا بيديه ورجليه ثم قذف في النار.

    قال ابن عبد البر: ومعنى ذلك عندي فيمن سها عن فريضة أو نسيها أما تركها عمدًا فلا يكمل له من تطوّع لأنه من الكبائر لا يكفرها إلا الإتيان بها وهي توبته.

    (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت كان أحب العمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) يروى برفع أحب اسم كان ونصبه خبر والاسم قوله (الذي يدوم) يواظب (عليه صاحبه) وإن قلّ كما في الصحيحين من طريق أبي سلمة عن عائشة لأنه يكون منه أكثر من الكثير الذي يفعل مرّة أو مرّتين ثم يترك ويترك العزم عليه والعزم على العمل الصالح مما يثاب عليه قاله الباجي.

    وقال النووي: بدوام القليل تستمر الطاعة بالذكر والمراقبة والإخلاص والإقبال على الله بخلاف الكثير الشاق حتى ينمو القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة.

    قال ابن الجوزي: إنما أحب الدائم لمعنيين أحدهما أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل وهو متعرض للذم، ولذا ورد الوعيد في حق من حفظ آية ثم نسيها وإن كان قبل حفظها لا يتعين عليه. ثانيهما أنّ مداوم الخير ملازم للخدمة وليس من لازم الباب في كل يوم وقتًا مّا كمن لازم يومًا كاملاً ثم انقطع.

    وهذا الحديث يوضح أنّ حديث عليكم من الأعمال ما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه. ضمير إليه للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية للشيخين أيضًا: وكان أحب الدين إلى الله ولا خلف بينهما فما كان أحب إلى الله كان أحب إلى رسوله، وأخرجه البخاري حدّثنا قتيبة عن مالك به.

    (مالك أنه بلغه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه قال: كان رجلان أخوان فهلك) أي مات وهي لفظة ليست مستنكرة في كلام العرب والزمن القديم قال تعالى: {{ حَتَّى إِذَا هَلَكَ }}فأمّا الآن فاستعملوها فيمن مات كافرًا أو ظاهرًا فجوره فلا يجوز استعمالها الآن في المسلم الميت (أحدهما قبل صاحبه بأربعين ليلة فذكرت فضيلة الأول عند رسول الله صلى الله عليه وسلم) فيه جواز الثناء على الميت والإخبار بفضله، ومنه الحديث: أنتم شهداء الله في الأرض. وإنما يجوز الثناء بفعله ولا يخبر بما يصير إليه لأنه أمر مغيب عنا، وأمّا الحي فإن خيف فتنته بذكر محاسنه منع لقوله صلى الله عليه وسلم إذ سمع رجلاً يثني على رجل ويطريه في المدح: أهلكتم - أو قطعتم - ظهر الرجل وإن لم يخف جاز لقوله صلى الله عليه وسلم: إيه يا ابن الخطاب فوالذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك قاله الباجي.

    (فقال) صلى الله عليه وسلم: (ألم يكن الآخر) بكسر الخاء المتأخر في الوفاة وفتحها أي الأخ الذي تأخرت وفاته عن أخيه (مسلمًا. قالوا: بلى يا رسول الله وكان لا بأس به) قال الباجي: هذه اللفظة تستعمل في التخاطب فيما يقرب معناه ولا يراد المبالغة بتفضيله (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريكم ما بلغت به صلاته) في الأربعين ليلة التي عاشها بعد أخيه (إنما مثل الصلاة كمثل نهر غمر) بفتح المعجمة وسكون الميم أي كثير الماء (عذب بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات فما ترون ذلك يبقي) بالباء لا بالنون قاله أبو عمر (من درنه) أي وسخه (فإنكم لا تدرون ما بلغت به صلاته) أعاده زيادة تأكيد في البعد عن التفضيل بلا علم.

    قال ابن عبد البر: فيه دلالة على أنّ الماء العذب أنقى للدرن كما أنّ الكثير أشدّ إنقاء من اليسير.

    قال أبو زرعة الرازي: خطر ببالي تقصيري في الأعمال فكبر عليّ فرأيت في منامي آتيًا أتاني فضرب بين كتفي وقال: قد أكثرت في العبادة أي عبادة أفضل من الصلوات الخمس في جماعة. قال أعني ابن عبد البر لا تحفظ قصة الأخوين من حديث سعد إلا في بلاغ مالك هذا، وقد أنكره البزار وقطع بأنه لا يوجد من حديث سعد البتة وما كان ينبغي له ذلك لأنّ مراسيل مالك أصولها صحاح، وجائز أن يروي هذا الحديث سعد وغيره، وقد رواه ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن عامر بن سعد عن أبيه مثل حديث مالك سواء، وأظن مالكًا أخذه من كتب بكير أو أخبره به عنه مخرمة ابنه فإنّ ابن وهب انفرد به لم يروه أحد غيره فيما قال جماعة من أهل الحديث، وتحفظ قصة الأخوين من حديث طلحة بن عبيد الله وأبي هريرة وعبيد بن خالد انتهى.

    (مالك أنه بلغه أن عطاء بن يسار كان إذا مر عليه بعض من يبيع في المسجد دعاه فسأله ما معك وما تريد فإن أخبره أنه يريد أن يبيعه قال عليك بسوق الدنيا فإنما هذا سوق الآخرة) أخذًا من قوله تعالى: {{ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ }}والصلاة أفضلها وكذلك انتظارها. قال صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الرجل يبيع ويشتري في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم الرجل ينشد الضالة في المسجد فقولوا: لا ردّها الله عليك وقال تعالى: {{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ }}الآية. قاله أبو عمر.

    (مالك أنه بلغه) كذا ليحيى ولغيره مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه (أن عمر بن الخطاب بنى رحبة في ناحية المسجد تسمى البطيحاء) بضم الباء وفتح الطاء وإسكان التحتية ومهملة تصغير بطحاء (وقال: من كان يريد أن يلغط) بفتح أوّله وثالثه يتكلم بكلام فيه جلبة واختلاط ولا يتبين (أو ينشد شعرًا أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة) تعظيمًا للمسجد لأنه إنما وضع للصلاة والذكر قال تعالى: {{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ }}الآية.

    قال أبو عمر: عارضه بعضهم بحديث أبي هريرة أن عمر أنكر على حسان إنشاد الشعر في المسجد فقال قد كنت أنشد فيه مع من هو خير منك فسكت عمر ومحل هذا في الشعر الذي ليس فيه منكر وحسبك ما ينشده لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّا ما فيه الفخر بآباء كفار والتشبيب بالنساء أو شيء من الخنا فلا يجوز في مسجد ولا غيره، والمسجد أولى بالتنزيه من غيره والشعر كلام موزون فحسنه حسن وقبيحه قبيح وفي الحديث: إن من الشعر حكمة.

    وروى أبو داود وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تتناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والشراء في المسجد إلا أن الشعر وإن كان حسنًا فلا ينبغي أن ينشد في المسجد إلا غبًا لأن إنشاد حسان كذلك كان.

    وقال الباجي: لما رأى عمر كثرة جلوس الناس وتحدّثهم في المسجد وربما أخرجهم ذلك إلى اللغط وربما أنشدوا أثناء ذلك بنى البطيحاء ليخلص المسجد لذكر الله ولم يرد أن ذلك محرم فيه، وإنما هو لتنزيه المساجد لا سيما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

    رواة الحديث

    تعرف هنا على رواة هذا الحديث الشريف وسيرتهم وطبقاتهم ورتبة كل منهم