عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ "
    1083 وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ سَلْمَانَ الْأَغَرِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ
    181

    أحاديث أخري متعلقة من كتاب كتاب المساجد ومواضع الصلاة

    صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ

    لا تتوفر ترجمة لهذا الحديث

    لا توجد ألفاظ غريبة بهذا الحديث

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة تعدل خمسًا وعشرين من صلاة الفذ.

    المعنى العام

    من أبرز أهداف الإسلام ترابط المجتمع، وغرس المودة والمحبة بين أبنائه، حتى يصبح كالجسد الواحد، إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، لقد ولد الإسلام في مجتمع متفرق لا يضمه هدف ولا تجمعه غاية؛ يغير بعضه على بعض، وتترفع قبيلة على الأخرى، فحارب الإسلام هذه العصبية وسوى بين الناس كأسنان المشط، ونادى {{ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير }}[الحجرات: 13]. لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى.

    وكان لا بد من وسائل تقود إلى غرس هذا المبدأ، وكان لا بد من تدريبات عملية تطبع المسلمين على الإحساس بهذه المساواة، فكانت صلاة الجماعة إمامها رسول الله محمد بن عبد الله، خيار من خيار، ومناديها بلال بن أبي رباح العبد الحبشي، ويقف المسلمون فيها صفوفًا كصفوف الملائكة مستقيمة متراصة، المناكب ملاصقة للمناكب، والأقدام مساوية للأقدام، الغني بجوار الفقير والعظيم بجوار الضعيف، الكل يتحرك حركة واحدة، ويسكن سكونًا واحدًا فإذا ما قضيت التقى الناس بعضهم ببعض، فعرفوا ودرسوا مصالحهم، وساعد بعضهم بعضًا، وسأل بعضهم عن أحوال بعض، وعرفوا غائبهم فحفظوه وأعانوه، لقاءات في مسجد واحد خمس مرات في اليوم والليلة يدعو إليها الإسلام، ويرغب فيها بقوله صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا، وتسابق المسلمون إلى الجماعات بل تسابق نساء المسلمين، وصبيانهم إليها، حتى في الفجر في شدة إغراء النوم، وحتى في العشاء في ظلمة الليل، وكثر المسلمون، ودخل في الإسلام منافقون، ثقلت عليهم صلاة الفجر والعشاء، وثقلت عليهم الجماعات، فكانوا يتخلفون، وكرر الرسول صلى الله عليه وسلم على مسامعهم الترغيب في الجماعة ما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، من صلى الصبح في جماعة فهو في عهد الله ورعايته طول يومه، ومن لم يصلها طالبه الله بحقه ومن طالبه الله بحقه كبه على وجهه في نار جهنم لكن بعض المنافقين دأب على التخلف عن الجماعة، والمنافقون جبناء، يخافون ولا يستحون، فكان المناسب لهم التهديد والوعيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد فكرت وهممت أن يؤذن المؤذن للصلاة ويقيم، ثم آمر رجلاً يصلي بالناس بدلاً مني، ثم آخذ بعض الفتية ومعهم حزم من الحطب فتحرق بيوت المتخلفين عن الجماعة وهم فيها وبلغ ذلك المنافقين فحافظوا على الجماعة، وازداد المسلمون حرصًا عليها، حتى الأعمى والمريض والمعذور لم يكن يستهين بها أو يتخلف عنها، لقد كان المريض الذي لا يستطيع المشي وحده يسنده رجلان، يمشي بينهما يترنح ويتهادى حتى يوقفانه في الصف، ولقد جاء ابن أم مكتوم الأعمى يشكو تعثره في الطريق في الظلماء وفي السيل، يطلب الرخصة له أن يصلي في بيته إذا لم يجد قائدًا وتعرض للأخطار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تسمع الأذان وأنت في بيتك؟ قال: نعم. قال: أجب النداء واحضر الجماعة فلا رخصة لك.

    وهكذا كانت صلاة الجماعة في المسجد لا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، معرض نفسه لغضب الله وغضب الناس، بل صار من يخرج من المسجد قبل صلاة الجماعة مغاضبًا لله ورسوله {{ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا }}[مريم: 59].

    المباحث العربية

    (أفضل من صلاة أحدكم وحده) حال جامدة مؤولة بمشتق، أي منفردًا.

    (تفضل صلاة في الجميع) أي في الجماعة.

    (قال: وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار) هذا هو الموجب لتفضيل صلاة الفجر مع الجماعة.

    (وقرآن الفجر) كناية عن صلاة الفجر، لأن الصلاة مستلزمة للقرآن.

    (كان مشهودًا) أي محضورًا فيه، تحضره الملائكة بطائفتيها.

    (بخمس وعشرين جزءًا) قال النووي: هكذا هو في الأصول، ورواه بعضهم خمسًا وعشرين درجة وخمسة وعشرين جزءًا هذا هو الجاري على اللغة، والأول مؤول عليه، وأنه أراد بالجزء الدرجة.

    (من صلاة الفذ) بالفاء والذال، أي المنفرد، يقال: فذ الرجل من أصحابه إذا بقي منفردًا وحده، فهي في معنى الرواية الأولى.

    (فقد ناسا في بعض الصلوات) الظاهر أنها العشاء كما تشير إلى ذلك الرواية السابعة، أو الجمعة كما تصرح الرواية العاشرة، وهل كان الناس المتخلفون عن الجماعة منافقين أو أعم؟ تشير إلى الأول الرواية الثامنة، والظاهر العموم، ففي سند السراج أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء حتى تهور الليل وذهب ثلثه أو نحوه ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس عزون، [متفرقون] وإذا هم قليلون، فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال: لقد هممت ...إلخ.

    (لقد هممت) اللام جواب القسم، ومعنى هممت قصدت، والهم العزم وقيل دون العزم.

    (ثم أخالف إلى رجال) أي آتيهم من خلفهم، وقيل: أتخلف عن الجماعة وأذهب إليهم، والتقييد بالرجال يخرج النساء والصبيان.

    (يتخلفون عنها) أي عن العشاء، كما سيفسر الراوي آخر الحديث.

    (فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم) أي فيحرق الرجال أو الفتية الذين أصحبهم على المتخلفين بيوتهم بحزم الحطب وأحرق بضم الهمزة وبفتح الحاء وتشديد الراء المكسورة، والصيغة تفيد التكثير.

    (ولو علم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا لشهدها) أي عظمًا عليه قليل من اللحم أو الشحم، والمقصود به الخسيس الحقير من متاع الدنيا.

    (إن أثقل صلاة على المنافقين) فيه إثبات أن بقية الصلوات ثقيلة على المنافقين.

    (لأتوهما ولو حبوًا) حبو الصبي الصغير مشيه على يديه ورجليه، أي لو يعلمون ما فيهما من الفضل والخير، ثم لم يستطيعوا الإتيان إليهما إلا حبوا لأتوهما، والضمير في يعلمون للمنافقين أو المتخلفين عنهما.

    (ثم أنطلق معي برجال) معي جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من رجال والتقدير أنطلق برجال مصاحبين لي.

    (إلى قوم لا يشهدون الصلاة) أي لا يحضرون الجماعة.

    (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى) قال النووي: هذا الأعمى هو ابن أم مكتوم جاء مفسرًا في سنن أبي داود وغيره. اهـ.

    (إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد) زاد أحمد وإن بيني وبين المسجد شجرًا ونخلاً، ولا أقدر على قائد كل ساعة.

    (هل تسمع النداء بالصلاة)؟ المراد بالنداء الأذان، فعند ابن حبان أتسمع الأذان ؟ وقيل الإقامة أخذًا من رواية أحمد أتسمع الإقامة؟ والأول هو الظاهر.

    (قال: فأجب) في رواية أحمد قال: فاحضرها، ولم يرخص له وفي رواية ابن حبان فأتها ولو حبوا.

    (لقد رأيتنا) يعني نفسه والصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

    (وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق) أي عن صلاة الجماعة، والجملة حالية.

    (إن كان المريض ليمشي) إن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، أي إن الحال والشأن كان المريض يأتي الصلاة بين الرجلين.

    (علمنا سنن الهدى) سنن روي بضم السين وفتحها، وهما بمعنى متقارب، أي طرائق الهدى وأوجه الصواب.

    (لقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين) أي يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه يعتمد عليهما، وهو مراده بقوله في الرواية الثانية عشرة إن كان المريض ليمشي بين رجلين.

    (من صلى الصبح فهو في ذمة الله) قال النووي: قيل: الذمة هنا الضمان، وقيل الأمان. اهـ

    (فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فيدركه) من معاني الذمة العهد والحق وهو المناسب هنا، والجار والمجرور من ذمته متعلق بمحذوف حال من شيء والتقدير فلا يطالبكم الله بشيء من حقه فيدركه، والمعنى فحافظوا على صلاة الصبح، ولا تعرضوا أنفسكم لمطالبة الله لكم بحقه، فمن طالبه بحقه أدركه.

    (فيكبه) أي فيكب صاحبه المقصر في الحق.

    فقه الحديث

    الكلام عن أحاديث الباب يتناول فضل صلاة الجماعة، وآراء الفقهاء وأدلتهم في حكمها، ومسائل أخرى تؤخذ من الروايات.

    أما فضل صلاة الجماعة فالأحاديث صريحة في أنها تفضل صلاة الفرد ببضع وعشرين درجة ولا خلاف في ذلك، وكل ما في الموضوع الجمع بين ألفاظ الأحاديث، فالرواية الأولى والثانية والثالثة والرابعة أن الأفضلية بخمس وعشرين درجة، والرواية الخامسة والسادسة أن الأفضلية بسبع وعشرين درجة. قال النووي: والجمع بينها من ثلاثة أوجه.

    أحدها: أنه لا منافاة بينها، فذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جمهور الأصوليين بمعنى: أن إثبات أفضلية سبع وعشرين درجة تتضمن أفضلية خمس وعشرين درجة ولا تنافيها، وإنما يحصل التنافي لو قلنا بمفهوم العدد، بمعنى أن إثبات الأفضلية بخمس وعشرين مفهومه ليس بغير خمس وعشرين، ومفهوم العدد معطل عند جمهور الأصوليين.

    والثاني: أنه أخبر أولاً بالقليل، ثم أعلمه الله بزيادة الفضل، فأخبر بها - ومعنى هذا أن رواية سبع وعشرين ناسخة لرواية خمس وعشرين، وهذا الرأي ضعيف، لأن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع، وعند معرفة المتقدم والمتأخر.

    والثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة، فيكون لبعضهم خمس وعشرون، ولبعضهم سبع وعشرون، بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيآتها وخشوعها وكثرة جماعتها وفضلهم وشرف البقعة، ونحو ذلك.

    فهذه هي الأجوبة المعتمدة، وقد قيل: إن الدرجة غير الجزء، وهذا غفلة من قائله، فإن في الصحيحين سبعًا وعشرين درجة وخمسًا وعشرين درجة، فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة. اهـ

    وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر بعض وجوه الجمع غير المعتمدة: السبع مختصة بالجهرية، والخمس بالسرية، لأن في الجهرية الإنصات عند قراءة الإمام والتأمين عند تأمينه ليوافق تأمين الملائكة. قال: وهذا الوجه عندي أوجهها. اهـ

    وحاول بعض العلماء أن يربطوا العدد المذكور بفضائل في صلاة الجماعة كقول الكرماني: المكتوبات خمس، فضربت في مثلها، فصارت خمسًا وعشرين وقول غيره: الحسنة بعشر أمثالها للمصلي المنفرد فإذا انضم إليه آخر بلغت عشرين، ثم زيد بقدر عدد الصلوات الخمس، وقول الحافظ ابن حجر في الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة.

    أولها: إجابة المؤذن بنية الصلاة في الجماعة، والتبكير إليها في أول الوقت والمشي إلى المسجد بالسكينة، ودخول المسجد داعيًا، وصلاة التحية عند دخوله. كل ذلك بنية الصلاة في الجماعة. فهذه خمس.

    سادسها: انتظار الجماعة.

    سابعها: صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له.

    ثامنها: شهادتها له.

    تاسعها: إجابة الإقامة.

    عاشرها: السلامة من الشيطان حين يفر من الإقامة.

    حادي عشرها: الوقوف منتظر إحرام الإمام.

    ثاني عشرها: إدراك تكبيرة الإحرام.

    ثالث عشرها: تسوية الصفوف وسد الفرج.

    رابع عشرها: جواب الإمام عند قوله: سمع الله لمن حمده.

    خامس عشرها: الأمن من السهو غالبًا وتنبيه الإمام إذا سها بالتسبيح أو الفتح عليه.

    سادس عشرها: حصول الخشوع والسلامة عما يلهي غالبًا.

    سابع عشرها: تحسين الهيئة غالبًا.

    ثامن عشرها: احتفاف الملائكة به.

    تاسع عشرها: التدرب على تجويد القراءة وتعلم الأركان والأبعاض.

    العشرون: إظهار شعائر الإسلام.

    الحادي والعشرون: إرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة والتعاون على الطاعة ونشاط المتكاسل.

    الثاني والعشرون: السلامة من صفات النفاق ومن إساءة غيره الظن بأنه ترك الصلاة رأسًا.

    الثالث والعشرون: رد السلام على الإمام.

    الرابع والعشرون: الانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر وعود بركة الكامل على الناقص.

    الخامس والعشرون: قيام نظام الألفة بين الجيران وتعاهدهم في أوقات الصلاة. ثم قال: فهذه خمس وعشرون خصلة ورد في كل منها أمر أو ترغيب يخصه. اهـ والمحقق يجد تداخلاً فيما ذكر كما يجد بعض الفضائل لم تذكر، والتحقيق أن الحكمة في هذا العدد الخاص غير محققة المعنى، لأن ذلك لا يدرك بالرأي، بل مرجعه إلى علم النبوة. وكل من خاض في تعيين الأسباب المقتضية للدرجة المذكورة أجهد نفسه ولم يأت بطائل.

    والرواية الأولى والرابعة والخامسة والسادسة تفيد أن صلاة الجماعة أفضل من خمس وعشرين أو سبع وعشرين من صلاة المنفرد، والرواية الثالثة تفيد أنها تعدلها وتساويها ولا تفضل عليها ولا تزيد، وظاهر هذا التعارض بين الروايات وقد اختار الحافظ ابن حجر أن صلاة الجماعة تساوي صلاة المنفرد وتزيد عليها العدد المذكور، فيكون للمصلي في جماعة ثواب ست وعشرين، أو ثمان وعشرين من صلاة المنفرد، ومعنى هذا تقييد الرواية الثالثة ليصح، تقديرها: صلاة الجماعة تعدل خمسًا وعشرين من صلاة الفذ زيادة عن صلاته وحده وهذا الاتجاه حسن يتسق مع فضل الله وجوده.

    ولما كانت الروايات الست الأولى تربط الفضل بصلاة الجماعة بقطع النظر عن كونها في المسجد أو في البيت أو في المتجر أو في المصنع أو في المدرسة ولما كانت الروايات الثمان التي بعدها تربط صلاة الجماعة بالمسجد قال ابن دقيق العيد: والذي يظهر أن المراد بمقابل الجماعة في المسجد الصلاة في غيره منفردًا، لكنه خرج مخرج الغالب في أن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفردًا. اهـ

    وقد جاء عن بعض الصحابة قصر التضعيف إلى خمس وعشرين على التجميع في المسجد الذي يصلي فيه الجمعة، مع تقرير نوع من الفضل للجماعة في غيره، وجاء عن بعضهم قصر التضعيف إلى خمس وعشرين على التجميع في أي مسجد، دون البيت والسوق، أخذًا بظاهر حديث البخاري صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا مع تقرير نوع من الفضل للجماعة في البيت والسوق ونحوهما.

    والذي تستريح إليه النفس أن التضعيف إلى خمس وعشرين عام في الجماعات في أي مكان، مع تقرير نوع زائد من الفضل للجماعة في المسجد ونوع أكثر زيادة من الفضل للجماعة في مسجد الجماعة. وهذا الرأي يعم كل الأحاديث مطلقها ومقيدها، خصوصًا ورواية البخاري التي قارنت بين المسجد وبين البيت والسوق جاءت بلفظ المضاعفة، وقد تطلق المضاعفة على المثلين كما تطلق على المثل.

    أما حكم صلاة الجماعة ففيه أربعة مذاهب:

    الأول: أنها فرض عين وشرط لصحة الصلاة، فلا تصح الصلاة بدونها إلا لعذر، وهو مذهب داود الظاهري، ورواية عن أحمد، ودليلهم ظاهر التهديد بالتحريق. وهي عقوبة لا يعاقب بها إلا الكفار، وهو مبني على أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، فلما كان الهم المذكور دالاً على لازمه وهو الحضور ووجوب الحضور دالاً على لازمه وهو الاشتراط ثبت الاشتراط، وهذا المذهب أضعف المذاهب وأبعدها عن الصواب لما سيتضح من مناقشات الأدلة.

    المذهب الثاني: أنها فرض عين، وليست شرطًا لصحة الصلاة، فتصح الصلاة بدونها مع الإثم واستحقاق العقوبة، وهو مذهب عطاء والأوزاعي وأحمد وجماعة من محدثي الشافعية كأبي ثور وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان ودليلهم كأصحاب المذهب الأول أحاديث الهم بالتحريق، لكنهم لا يقولون: بأن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، وإنما الغالب أن يكون شرطًا، وقد ينفك عن الشرطية.

    وقالوا: لو كانت فرض كفاية لكان قيام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بها كافيًا، ولو كانت سنة فتارك السنة لا يحرق عليه بيته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهم إلا بحق، كما استدلوا على فرضيتها ووجوبها بصلاة الخوف، إذ فيها أعمال منافية للصلاة ارتكبت من أجل الجماعة، ولم يرخص بترك الجماعة في هذه الشدة، ولا يعمل ذلك لأجل فرض الكفاية، ولا للسنة، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص لابن أم مكتوم الأعمى في ترك الجماعة، ولو كانت فرض كفاية أو سنة لرخص له.

    وسيرد الرد على هذا المذهب وعلى أدلته عند استعراضنا للمذهبين الآتيين.

    المذهب الثالث: أنها فرض كفاية، وهو مذهب جمهور المتقدمين من الشافعية، وهو ظاهر نص الشافعي، وبه قال كثير من الحنفية والمالكية.

    المذهب الرابع: أنها سنة مؤكدة، وهو المشهور عن الآخرين.

    ولما كان هذان المذهبان متقاربين، وكان القائلون بفرض الكفاية يقولون بأنها سنة مؤكدة في حق الباقين إذا أقامها البعض، وكان الفرق هو ما إذا تركها أهل محلة هل يأثمون جميعًا ويقاتلون بالسلاح، كتاركي فرض الكفاية؟ أو لا يأثمون كتاركي السنن؟.

    لما كان الأمر كذلك كان هدف المذهبين الرد على أدلة المذهبين الأولين بحيث ينتفى أنها فرض عين، وقد أطنب العلماء في ذلك، وحق علينا أن نوفي المسألة حقها لرفع ظاهر التعارض بين الأحاديث.

    قال الحافظ ابن حجر: وقد أجابوا عن ظاهر حديث الباب [حديث الهم بالتحريق] بأجوبة. منها:

    1- أن الحديث نفسه يدل على عدم الوجوب، لكونه صلى الله عليه وسلم هم ولم يفعل، ولو كانت فرض عين لنفذ ما هم به، فتركه صلى الله عليه وسلم التحريق بعد التهديد دليل على عدم الفرضية.

    2- لو كانت فرض عين لقال حين توعد بالإحراق: من تخلف عن الجماعة لم تجزه صلاته، ولقال للذين صليا في رحالهما من غير جماعة أعيدا صلاتكما أو أنتما آثمان، ولكنه قال إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما المسجد، فصليا فإنها لكما نافلة.

    3- قال الباجي وغيره: إن الحديث ورد مورد الزجر، وحقيقته غير مرادة وإنما المراد المبالغة، يرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقبها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك.

    4- أن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأسًا، لا مجرد الجماعة.

    5- أن الحديث ورد في الحث على مخالفة فعل أهل النفاق والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل.

    6- أن الحديث ورد في حق المنافقين، فليس التهديد لترك الجماعة بخصوصه، فلا يتم الدليل، والرواية الثامنة، ولفظها إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت... إلخ تؤيد أن الحديث في المنافقين، قال الحافظ ابن حجر: لكن المراد به نفاق المعصية لا نفاق الكفر، بدليل قوله في رواية عجلان: لا يشهدون العشاء في الجميع، وقوله في حديث أسامة: لا يشهد الجماعة، وأصرح منه رواية أبي هريرة عند أبي داود ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق معصية لا كفر، لأن الكافر لا يصلي في بيته، إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء. وأيضًا فقوله في رواية المقبري: لولا ما في البيوت من النساء والذرية يدل على أنهم لم يكونوا كفارًا، لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين طريقًا إلى الغلبة عليه لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته.

    7- حكى القاضي عياض قول بعضهم: فرضية الجماعة كان في أول الإسلام، لأجل سد باب التخلف عن الصلوات على المنافقين، ثم نسخ، قال الحافظ: ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد المذكور، وهو التحريق بالنار وكذا ثبوت نسخ ما يتضمنه الحريق من جواز العقوبة بالمال، ويدل على النسخ الأحاديث في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفرد، لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل، ومن لازم ذلك الجواز.

    8- أن المراد بالصلاة صلاة الجمعة، لا باقي الصلوات - والرواية العاشرة تؤيد هذا القول - ونصره القرطبي، وتعقب بالأحاديث المصرحة بالعشاء. انتهى بتصرف.

    ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم

    1- قال النووي: قال بعضهم: في الحديث دليل على أن العقوبة كانت في أول الأمر بالمال، لأن تحريق البيوت عقوبة مالية. وقال بعضهم: أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة والغال من الغنيمة واختلف السلف فيهما، والجمهور على منع تحريق متاعهما.

    2- وفيه أن الإمام إذا عرض له شغل يستخلف من يصلي بالناس.

    3- وفيه جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة لعذر.

    4- قال بعضهم: ويؤخذ من الرواية الحادية عشرة وظاهرها عدم قبول العذر أن الجماعة فرض عين، قال النووي: وأجاب الجمهور بأنه سأل هل له رخصة أن يصلي في بيته وتحصل له فضيلة الجماعة بسبب عذره؟ فقيل: لا. ويؤيد هذا أن حضور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين، ودليله من السنة حديث عتبان الآتي في الباب التالي. وأما ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم له ثم رده؛ وقوله فأجب فيحتمل أنه بوحي نزل في الحال، ويحتمل أنه تغير اجتهاده صلى الله عليه وسلم إذا قلنا بالصحيح وقول الأكثرين أنه يجوز له الاجتهاد، ويحتمل أنه رخص له أولاً، وأراد أنه لا يجب عليه الحضور، إما لعذر وإما لأن فرض الكفاية حاصل بحضور غيره، وإما للأمرين، ثم ندبه إلى الأفضل، فقال: الأفضل والأعظم لأجرك أن تجيب وتحضر، فأجب.

    5- ويؤخذ من الرواية الرابعة عشرة والخامسة عشرة كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر.

    6- وفي حديث الهم بالتحريق تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسره أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفى به عن الأعلى من العقوبة.

    7- وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غرة، لأنه صلى الله عليه وسلم هم بذلك في الوقت الذي عهد منه فيه الاشتغال بالصلاة بالجماعة، فأراد أن يبغتهم في الوقت الذي يتحققون فيه أنه لا يطرقهم فيه أحد.

    8- ترجم عليه البخاري في كتاب الأحكام: باب إخراج أهل المعاصي والريب من البيوت بعد المعرفة، يريد أن من طلب منهم بحق فاختفى أو امتنع في بيته إنكارًا ومماطلة أخرج منه بكل طريق يتوصل إليه بها، كما أراد صلى الله عليه وسلم إخراج المتخلفين عن الصلاة بإلقاء بالنار عليهم في بيوتهم.

    9- استدل به ابن العربي وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونًا بها، ونوزع في ذلك، ورواية أبي داود التي تفيد أنهم كانوا يصلون في بيوتهم تعكر عليه، قال الحافظ ابن حجر: ولا يلزم من التهديد بالتحريق حصول القتل لا دائمًا ولا غالبًا.

    10- وفيه الرخصة للإمام أو نائبه في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفي في بيته ويتركها، ومن الأعذار في تخلفه خوف فوات الغريم وأصحاب الجرائم.

    11- استدل به على جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل إذا كان في ذلك مصلحة.

    12- استدل به ابن العربي على جواز إعدام محل المعصية كما هو مذهب الإمام مالك، وتعقب بأنه منسوخ، كما قيل في العقوبة بالمال.

    والله أعلم

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة تعدل خمسًا وعشرين من صلاة الفذ.

    المعنى العام

    من أبرز أهداف الإسلام ترابط المجتمع، وغرس المودة والمحبة بين أبنائه، حتى يصبح كالجسد الواحد، إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، لقد ولد الإسلام في مجتمع متفرق لا يضمه هدف ولا تجمعه غاية؛ يغير بعضه على بعض، وتترفع قبيلة على الأخرى، فحارب الإسلام هذه العصبية وسوى بين الناس كأسنان المشط، ونادى {{ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير }}[الحجرات: 13]. لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى.

    وكان لا بد من وسائل تقود إلى غرس هذا المبدأ، وكان لا بد من تدريبات عملية تطبع المسلمين على الإحساس بهذه المساواة، فكانت صلاة الجماعة إمامها رسول الله محمد بن عبد الله، خيار من خيار، ومناديها بلال بن أبي رباح العبد الحبشي، ويقف المسلمون فيها صفوفًا كصفوف الملائكة مستقيمة متراصة، المناكب ملاصقة للمناكب، والأقدام مساوية للأقدام، الغني بجوار الفقير والعظيم بجوار الضعيف، الكل يتحرك حركة واحدة، ويسكن سكونًا واحدًا فإذا ما قضيت التقى الناس بعضهم ببعض، فعرفوا ودرسوا مصالحهم، وساعد بعضهم بعضًا، وسأل بعضهم عن أحوال بعض، وعرفوا غائبهم فحفظوه وأعانوه، لقاءات في مسجد واحد خمس مرات في اليوم والليلة يدعو إليها الإسلام، ويرغب فيها بقوله صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا، وتسابق المسلمون إلى الجماعات بل تسابق نساء المسلمين، وصبيانهم إليها، حتى في الفجر في شدة إغراء النوم، وحتى في العشاء في ظلمة الليل، وكثر المسلمون، ودخل في الإسلام منافقون، ثقلت عليهم صلاة الفجر والعشاء، وثقلت عليهم الجماعات، فكانوا يتخلفون، وكرر الرسول صلى الله عليه وسلم على مسامعهم الترغيب في الجماعة ما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، من صلى الصبح في جماعة فهو في عهد الله ورعايته طول يومه، ومن لم يصلها طالبه الله بحقه ومن طالبه الله بحقه كبه على وجهه في نار جهنم لكن بعض المنافقين دأب على التخلف عن الجماعة، والمنافقون جبناء، يخافون ولا يستحون، فكان المناسب لهم التهديد والوعيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد فكرت وهممت أن يؤذن المؤذن للصلاة ويقيم، ثم آمر رجلاً يصلي بالناس بدلاً مني، ثم آخذ بعض الفتية ومعهم حزم من الحطب فتحرق بيوت المتخلفين عن الجماعة وهم فيها وبلغ ذلك المنافقين فحافظوا على الجماعة، وازداد المسلمون حرصًا عليها، حتى الأعمى والمريض والمعذور لم يكن يستهين بها أو يتخلف عنها، لقد كان المريض الذي لا يستطيع المشي وحده يسنده رجلان، يمشي بينهما يترنح ويتهادى حتى يوقفانه في الصف، ولقد جاء ابن أم مكتوم الأعمى يشكو تعثره في الطريق في الظلماء وفي السيل، يطلب الرخصة له أن يصلي في بيته إذا لم يجد قائدًا وتعرض للأخطار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تسمع الأذان وأنت في بيتك؟ قال: نعم. قال: أجب النداء واحضر الجماعة فلا رخصة لك.

    وهكذا كانت صلاة الجماعة في المسجد لا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، معرض نفسه لغضب الله وغضب الناس، بل صار من يخرج من المسجد قبل صلاة الجماعة مغاضبًا لله ورسوله {{ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا }}[مريم: 59].

    المباحث العربية

    (أفضل من صلاة أحدكم وحده) حال جامدة مؤولة بمشتق، أي منفردًا.

    (تفضل صلاة في الجميع) أي في الجماعة.

    (قال: وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار) هذا هو الموجب لتفضيل صلاة الفجر مع الجماعة.

    (وقرآن الفجر) كناية عن صلاة الفجر، لأن الصلاة مستلزمة للقرآن.

    (كان مشهودًا) أي محضورًا فيه، تحضره الملائكة بطائفتيها.

    (بخمس وعشرين جزءًا) قال النووي: هكذا هو في الأصول، ورواه بعضهم خمسًا وعشرين درجة وخمسة وعشرين جزءًا هذا هو الجاري على اللغة، والأول مؤول عليه، وأنه أراد بالجزء الدرجة.

    (من صلاة الفذ) بالفاء والذال، أي المنفرد، يقال: فذ الرجل من أصحابه إذا بقي منفردًا وحده، فهي في معنى الرواية الأولى.

    (فقد ناسا في بعض الصلوات) الظاهر أنها العشاء كما تشير إلى ذلك الرواية السابعة، أو الجمعة كما تصرح الرواية العاشرة، وهل كان الناس المتخلفون عن الجماعة منافقين أو أعم؟ تشير إلى الأول الرواية الثامنة، والظاهر العموم، ففي سند السراج أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء حتى تهور الليل وذهب ثلثه أو نحوه ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس عزون، [متفرقون] وإذا هم قليلون، فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال: لقد هممت ...إلخ.

    (لقد هممت) اللام جواب القسم، ومعنى هممت قصدت، والهم العزم وقيل دون العزم.

    (ثم أخالف إلى رجال) أي آتيهم من خلفهم، وقيل: أتخلف عن الجماعة وأذهب إليهم، والتقييد بالرجال يخرج النساء والصبيان.

    (يتخلفون عنها) أي عن العشاء، كما سيفسر الراوي آخر الحديث.

    (فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم) أي فيحرق الرجال أو الفتية الذين أصحبهم على المتخلفين بيوتهم بحزم الحطب وأحرق بضم الهمزة وبفتح الحاء وتشديد الراء المكسورة، والصيغة تفيد التكثير.

    (ولو علم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا لشهدها) أي عظمًا عليه قليل من اللحم أو الشحم، والمقصود به الخسيس الحقير من متاع الدنيا.

    (إن أثقل صلاة على المنافقين) فيه إثبات أن بقية الصلوات ثقيلة على المنافقين.

    (لأتوهما ولو حبوًا) حبو الصبي الصغير مشيه على يديه ورجليه، أي لو يعلمون ما فيهما من الفضل والخير، ثم لم يستطيعوا الإتيان إليهما إلا حبوا لأتوهما، والضمير في يعلمون للمنافقين أو المتخلفين عنهما.

    (ثم أنطلق معي برجال) معي جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من رجال والتقدير أنطلق برجال مصاحبين لي.

    (إلى قوم لا يشهدون الصلاة) أي لا يحضرون الجماعة.

    (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى) قال النووي: هذا الأعمى هو ابن أم مكتوم جاء مفسرًا في سنن أبي داود وغيره. اهـ.

    (إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد) زاد أحمد وإن بيني وبين المسجد شجرًا ونخلاً، ولا أقدر على قائد كل ساعة.

    (هل تسمع النداء بالصلاة)؟ المراد بالنداء الأذان، فعند ابن حبان أتسمع الأذان ؟ وقيل الإقامة أخذًا من رواية أحمد أتسمع الإقامة؟ والأول هو الظاهر.

    (قال: فأجب) في رواية أحمد قال: فاحضرها، ولم يرخص له وفي رواية ابن حبان فأتها ولو حبوا.

    (لقد رأيتنا) يعني نفسه والصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

    (وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق) أي عن صلاة الجماعة، والجملة حالية.

    (إن كان المريض ليمشي) إن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، أي إن الحال والشأن كان المريض يأتي الصلاة بين الرجلين.

    (علمنا سنن الهدى) سنن روي بضم السين وفتحها، وهما بمعنى متقارب، أي طرائق الهدى وأوجه الصواب.

    (لقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين) أي يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه يعتمد عليهما، وهو مراده بقوله في الرواية الثانية عشرة إن كان المريض ليمشي بين رجلين.

    (من صلى الصبح فهو في ذمة الله) قال النووي: قيل: الذمة هنا الضمان، وقيل الأمان. اهـ

    (فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فيدركه) من معاني الذمة العهد والحق وهو المناسب هنا، والجار والمجرور من ذمته متعلق بمحذوف حال من شيء والتقدير فلا يطالبكم الله بشيء من حقه فيدركه، والمعنى فحافظوا على صلاة الصبح، ولا تعرضوا أنفسكم لمطالبة الله لكم بحقه، فمن طالبه بحقه أدركه.

    (فيكبه) أي فيكب صاحبه المقصر في الحق.

    فقه الحديث

    الكلام عن أحاديث الباب يتناول فضل صلاة الجماعة، وآراء الفقهاء وأدلتهم في حكمها، ومسائل أخرى تؤخذ من الروايات.

    أما فضل صلاة الجماعة فالأحاديث صريحة في أنها تفضل صلاة الفرد ببضع وعشرين درجة ولا خلاف في ذلك، وكل ما في الموضوع الجمع بين ألفاظ الأحاديث، فالرواية الأولى والثانية والثالثة والرابعة أن الأفضلية بخمس وعشرين درجة، والرواية الخامسة والسادسة أن الأفضلية بسبع وعشرين درجة. قال النووي: والجمع بينها من ثلاثة أوجه.

    أحدها: أنه لا منافاة بينها، فذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جمهور الأصوليين بمعنى: أن إثبات أفضلية سبع وعشرين درجة تتضمن أفضلية خمس وعشرين درجة ولا تنافيها، وإنما يحصل التنافي لو قلنا بمفهوم العدد، بمعنى أن إثبات الأفضلية بخمس وعشرين مفهومه ليس بغير خمس وعشرين، ومفهوم العدد معطل عند جمهور الأصوليين.

    والثاني: أنه أخبر أولاً بالقليل، ثم أعلمه الله بزيادة الفضل، فأخبر بها - ومعنى هذا أن رواية سبع وعشرين ناسخة لرواية خمس وعشرين، وهذا الرأي ضعيف، لأن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع، وعند معرفة المتقدم والمتأخر.

    والثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة، فيكون لبعضهم خمس وعشرون، ولبعضهم سبع وعشرون، بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيآتها وخشوعها وكثرة جماعتها وفضلهم وشرف البقعة، ونحو ذلك.

    فهذه هي الأجوبة المعتمدة، وقد قيل: إن الدرجة غير الجزء، وهذا غفلة من قائله، فإن في الصحيحين سبعًا وعشرين درجة وخمسًا وعشرين درجة، فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة. اهـ

    وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر بعض وجوه الجمع غير المعتمدة: السبع مختصة بالجهرية، والخمس بالسرية، لأن في الجهرية الإنصات عند قراءة الإمام والتأمين عند تأمينه ليوافق تأمين الملائكة. قال: وهذا الوجه عندي أوجهها. اهـ

    وحاول بعض العلماء أن يربطوا العدد المذكور بفضائل في صلاة الجماعة كقول الكرماني: المكتوبات خمس، فضربت في مثلها، فصارت خمسًا وعشرين وقول غيره: الحسنة بعشر أمثالها للمصلي المنفرد فإذا انضم إليه آخر بلغت عشرين، ثم زيد بقدر عدد الصلوات الخمس، وقول الحافظ ابن حجر في الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة.

    أولها: إجابة المؤذن بنية الصلاة في الجماعة، والتبكير إليها في أول الوقت والمشي إلى المسجد بالسكينة، ودخول المسجد داعيًا، وصلاة التحية عند دخوله. كل ذلك بنية الصلاة في الجماعة. فهذه خمس.

    سادسها: انتظار الجماعة.

    سابعها: صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له.

    ثامنها: شهادتها له.

    تاسعها: إجابة الإقامة.

    عاشرها: السلامة من الشيطان حين يفر من الإقامة.

    حادي عشرها: الوقوف منتظر إحرام الإمام.

    ثاني عشرها: إدراك تكبيرة الإحرام.

    ثالث عشرها: تسوية الصفوف وسد الفرج.

    رابع عشرها: جواب الإمام عند قوله: سمع الله لمن حمده.

    خامس عشرها: الأمن من السهو غالبًا وتنبيه الإمام إذا سها بالتسبيح أو الفتح عليه.

    سادس عشرها: حصول الخشوع والسلامة عما يلهي غالبًا.

    سابع عشرها: تحسين الهيئة غالبًا.

    ثامن عشرها: احتفاف الملائكة به.

    تاسع عشرها: التدرب على تجويد القراءة وتعلم الأركان والأبعاض.

    العشرون: إظهار شعائر الإسلام.

    الحادي والعشرون: إرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة والتعاون على الطاعة ونشاط المتكاسل.

    الثاني والعشرون: السلامة من صفات النفاق ومن إساءة غيره الظن بأنه ترك الصلاة رأسًا.

    الثالث والعشرون: رد السلام على الإمام.

    الرابع والعشرون: الانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر وعود بركة الكامل على الناقص.

    الخامس والعشرون: قيام نظام الألفة بين الجيران وتعاهدهم في أوقات الصلاة. ثم قال: فهذه خمس وعشرون خصلة ورد في كل منها أمر أو ترغيب يخصه. اهـ والمحقق يجد تداخلاً فيما ذكر كما يجد بعض الفضائل لم تذكر، والتحقيق أن الحكمة في هذا العدد الخاص غير محققة المعنى، لأن ذلك لا يدرك بالرأي، بل مرجعه إلى علم النبوة. وكل من خاض في تعيين الأسباب المقتضية للدرجة المذكورة أجهد نفسه ولم يأت بطائل.

    والرواية الأولى والرابعة والخامسة والسادسة تفيد أن صلاة الجماعة أفضل من خمس وعشرين أو سبع وعشرين من صلاة المنفرد، والرواية الثالثة تفيد أنها تعدلها وتساويها ولا تفضل عليها ولا تزيد، وظاهر هذا التعارض بين الروايات وقد اختار الحافظ ابن حجر أن صلاة الجماعة تساوي صلاة المنفرد وتزيد عليها العدد المذكور، فيكون للمصلي في جماعة ثواب ست وعشرين، أو ثمان وعشرين من صلاة المنفرد، ومعنى هذا تقييد الرواية الثالثة ليصح، تقديرها: صلاة الجماعة تعدل خمسًا وعشرين من صلاة الفذ زيادة عن صلاته وحده وهذا الاتجاه حسن يتسق مع فضل الله وجوده.

    ولما كانت الروايات الست الأولى تربط الفضل بصلاة الجماعة بقطع النظر عن كونها في المسجد أو في البيت أو في المتجر أو في المصنع أو في المدرسة ولما كانت الروايات الثمان التي بعدها تربط صلاة الجماعة بالمسجد قال ابن دقيق العيد: والذي يظهر أن المراد بمقابل الجماعة في المسجد الصلاة في غيره منفردًا، لكنه خرج مخرج الغالب في أن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفردًا. اهـ

    وقد جاء عن بعض الصحابة قصر التضعيف إلى خمس وعشرين على التجميع في المسجد الذي يصلي فيه الجمعة، مع تقرير نوع من الفضل للجماعة في غيره، وجاء عن بعضهم قصر التضعيف إلى خمس وعشرين على التجميع في أي مسجد، دون البيت والسوق، أخذًا بظاهر حديث البخاري صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا مع تقرير نوع من الفضل للجماعة في البيت والسوق ونحوهما.

    والذي تستريح إليه النفس أن التضعيف إلى خمس وعشرين عام في الجماعات في أي مكان، مع تقرير نوع زائد من الفضل للجماعة في المسجد ونوع أكثر زيادة من الفضل للجماعة في مسجد الجماعة. وهذا الرأي يعم كل الأحاديث مطلقها ومقيدها، خصوصًا ورواية البخاري التي قارنت بين المسجد وبين البيت والسوق جاءت بلفظ المضاعفة، وقد تطلق المضاعفة على المثلين كما تطلق على المثل.

    أما حكم صلاة الجماعة ففيه أربعة مذاهب:

    الأول: أنها فرض عين وشرط لصحة الصلاة، فلا تصح الصلاة بدونها إلا لعذر، وهو مذهب داود الظاهري، ورواية عن أحمد، ودليلهم ظاهر التهديد بالتحريق. وهي عقوبة لا يعاقب بها إلا الكفار، وهو مبني على أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، فلما كان الهم المذكور دالاً على لازمه وهو الحضور ووجوب الحضور دالاً على لازمه وهو الاشتراط ثبت الاشتراط، وهذا المذهب أضعف المذاهب وأبعدها عن الصواب لما سيتضح من مناقشات الأدلة.

    المذهب الثاني: أنها فرض عين، وليست شرطًا لصحة الصلاة، فتصح الصلاة بدونها مع الإثم واستحقاق العقوبة، وهو مذهب عطاء والأوزاعي وأحمد وجماعة من محدثي الشافعية كأبي ثور وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان ودليلهم كأصحاب المذهب الأول أحاديث الهم بالتحريق، لكنهم لا يقولون: بأن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، وإنما الغالب أن يكون شرطًا، وقد ينفك عن الشرطية.

    وقالوا: لو كانت فرض كفاية لكان قيام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بها كافيًا، ولو كانت سنة فتارك السنة لا يحرق عليه بيته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهم إلا بحق، كما استدلوا على فرضيتها ووجوبها بصلاة الخوف، إذ فيها أعمال منافية للصلاة ارتكبت من أجل الجماعة، ولم يرخص بترك الجماعة في هذه الشدة، ولا يعمل ذلك لأجل فرض الكفاية، ولا للسنة، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص لابن أم مكتوم الأعمى في ترك الجماعة، ولو كانت فرض كفاية أو سنة لرخص له.

    وسيرد الرد على هذا المذهب وعلى أدلته عند استعراضنا للمذهبين الآتيين.

    المذهب الثالث: أنها فرض كفاية، وهو مذهب جمهور المتقدمين من الشافعية، وهو ظاهر نص الشافعي، وبه قال كثير من الحنفية والمالكية.

    المذهب الرابع: أنها سنة مؤكدة، وهو المشهور عن الآخرين.

    ولما كان هذان المذهبان متقاربين، وكان القائلون بفرض الكفاية يقولون بأنها سنة مؤكدة في حق الباقين إذا أقامها البعض، وكان الفرق هو ما إذا تركها أهل محلة هل يأثمون جميعًا ويقاتلون بالسلاح، كتاركي فرض الكفاية؟ أو لا يأثمون كتاركي السنن؟.

    لما كان الأمر كذلك كان هدف المذهبين الرد على أدلة المذهبين الأولين بحيث ينتفى أنها فرض عين، وقد أطنب العلماء في ذلك، وحق علينا أن نوفي المسألة حقها لرفع ظاهر التعارض بين الأحاديث.

    قال الحافظ ابن حجر: وقد أجابوا عن ظاهر حديث الباب [حديث الهم بالتحريق] بأجوبة. منها:

    1- أن الحديث نفسه يدل على عدم الوجوب، لكونه صلى الله عليه وسلم هم ولم يفعل، ولو كانت فرض عين لنفذ ما هم به، فتركه صلى الله عليه وسلم التحريق بعد التهديد دليل على عدم الفرضية.

    2- لو كانت فرض عين لقال حين توعد بالإحراق: من تخلف عن الجماعة لم تجزه صلاته، ولقال للذين صليا في رحالهما من غير جماعة أعيدا صلاتكما أو أنتما آثمان، ولكنه قال إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما المسجد، فصليا فإنها لكما نافلة.

    3- قال الباجي وغيره: إن الحديث ورد مورد الزجر، وحقيقته غير مرادة وإنما المراد المبالغة، يرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقبها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك.

    4- أن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأسًا، لا مجرد الجماعة.

    5- أن الحديث ورد في الحث على مخالفة فعل أهل النفاق والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل.

    6- أن الحديث ورد في حق المنافقين، فليس التهديد لترك الجماعة بخصوصه، فلا يتم الدليل، والرواية الثامنة، ولفظها إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت... إلخ تؤيد أن الحديث في المنافقين، قال الحافظ ابن حجر: لكن المراد به نفاق المعصية لا نفاق الكفر، بدليل قوله في رواية عجلان: لا يشهدون العشاء في الجميع، وقوله في حديث أسامة: لا يشهد الجماعة، وأصرح منه رواية أبي هريرة عند أبي داود ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق معصية لا كفر، لأن الكافر لا يصلي في بيته، إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء. وأيضًا فقوله في رواية المقبري: لولا ما في البيوت من النساء والذرية يدل على أنهم لم يكونوا كفارًا، لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين طريقًا إلى الغلبة عليه لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته.

    7- حكى القاضي عياض قول بعضهم: فرضية الجماعة كان في أول الإسلام، لأجل سد باب التخلف عن الصلوات على المنافقين، ثم نسخ، قال الحافظ: ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد المذكور، وهو التحريق بالنار وكذا ثبوت نسخ ما يتضمنه الحريق من جواز العقوبة بالمال، ويدل على النسخ الأحاديث في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفرد، لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل، ومن لازم ذلك الجواز.

    8- أن المراد بالصلاة صلاة الجمعة، لا باقي الصلوات - والرواية العاشرة تؤيد هذا القول - ونصره القرطبي، وتعقب بالأحاديث المصرحة بالعشاء. انتهى بتصرف.

    ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم

    1- قال النووي: قال بعضهم: في الحديث دليل على أن العقوبة كانت في أول الأمر بالمال، لأن تحريق البيوت عقوبة مالية. وقال بعضهم: أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة والغال من الغنيمة واختلف السلف فيهما، والجمهور على منع تحريق متاعهما.

    2- وفيه أن الإمام إذا عرض له شغل يستخلف من يصلي بالناس.

    3- وفيه جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة لعذر.

    4- قال بعضهم: ويؤخذ من الرواية الحادية عشرة وظاهرها عدم قبول العذر أن الجماعة فرض عين، قال النووي: وأجاب الجمهور بأنه سأل هل له رخصة أن يصلي في بيته وتحصل له فضيلة الجماعة بسبب عذره؟ فقيل: لا. ويؤيد هذا أن حضور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين، ودليله من السنة حديث عتبان الآتي في الباب التالي. وأما ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم له ثم رده؛ وقوله فأجب فيحتمل أنه بوحي نزل في الحال، ويحتمل أنه تغير اجتهاده صلى الله عليه وسلم إذا قلنا بالصحيح وقول الأكثرين أنه يجوز له الاجتهاد، ويحتمل أنه رخص له أولاً، وأراد أنه لا يجب عليه الحضور، إما لعذر وإما لأن فرض الكفاية حاصل بحضور غيره، وإما للأمرين، ثم ندبه إلى الأفضل، فقال: الأفضل والأعظم لأجرك أن تجيب وتحضر، فأجب.

    5- ويؤخذ من الرواية الرابعة عشرة والخامسة عشرة كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر.

    6- وفي حديث الهم بالتحريق تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسره أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفى به عن الأعلى من العقوبة.

    7- وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غرة، لأنه صلى الله عليه وسلم هم بذلك في الوقت الذي عهد منه فيه الاشتغال بالصلاة بالجماعة، فأراد أن يبغتهم في الوقت الذي يتحققون فيه أنه لا يطرقهم فيه أحد.

    8- ترجم عليه البخاري في كتاب الأحكام: باب إخراج أهل المعاصي والريب من البيوت بعد المعرفة، يريد أن من طلب منهم بحق فاختفى أو امتنع في بيته إنكارًا ومماطلة أخرج منه بكل طريق يتوصل إليه بها، كما أراد صلى الله عليه وسلم إخراج المتخلفين عن الصلاة بإلقاء بالنار عليهم في بيوتهم.

    9- استدل به ابن العربي وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونًا بها، ونوزع في ذلك، ورواية أبي داود التي تفيد أنهم كانوا يصلون في بيوتهم تعكر عليه، قال الحافظ ابن حجر: ولا يلزم من التهديد بالتحريق حصول القتل لا دائمًا ولا غالبًا.

    10- وفيه الرخصة للإمام أو نائبه في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفي في بيته ويتركها، ومن الأعذار في تخلفه خوف فوات الغريم وأصحاب الجرائم.

    11- استدل به على جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل إذا كان في ذلك مصلحة.

    12- استدل به ابن العربي على جواز إعدام محل المعصية كما هو مذهب الإمام مالك، وتعقب بأنه منسوخ، كما قيل في العقوبة بالمال.

    والله أعلم

    رواة الحديث

    تعرف هنا على رواة هذا الحديث الشريف وسيرتهم وطبقاتهم ورتبة كل منهم