عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ ، يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ "
    6430 حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ ، يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ قَالَ الأَعْمَشُ : كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ بَيْضُ الحَدِيدِ ، وَالحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا مَا يَسْوَى دَرَاهِمَ
    90

    أحاديث أخري متعلقة من كتاب كتاب الحدود

    لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ ، يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ ، وَيَسْرِقُ

    The Prophet (ﷺ) said, Allah curses a man who steals an egg and gets his hand cut off, or steals a rope and gets his hands cut off. Al-A`mash said, People used to interpret the Baida as an iron helmet, and they used to think that the rope may cost a few dirhams.

    ':'Telah menceritakan kepada kami Umar bin Hafsh bin Ghiyats telah menceritakan kepadaku ayahku Telah menceritakan kepada kami Al A'masy mengatakan; aku mendengar Abu Shalih dari Abu Hurairah dari Nabi shallallahu 'alaihi wasallam bersabda: 'Allah melaknat si pencuri telur sehingga tangannya dipotong dan Allah melaknat si pencuri tali hingga dipotong tangannya.' Al A'masy mengatakan para sahabat berpendapat bahwa yang dimaksud telur disini adalah besi dan yang dimaksud tali adalah jika senilai beberapa dirham.'

    لا توجد ألفاظ غريبة بهذا الحديث

    (قَوْلُهُ بَابُ لَعْنِ السَّارِقِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ)
    أَيْ إِذَا لَمْ يُعَيَّنْ إِشَارَةً إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ لَعْنِ الشَّارِبِ الْمُعَيَّنِ كَمَا مضى تَقْرِيره وَبَين حَدِيث الْبَاب قَالَ بن بَطَّالٍ مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي تَعْيِينُ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَمُوَاجَهَتُهُمْ بِاللَّعْنِ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْعَنَ فِي الْجُمْلَةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ رَدْعًا لَهُمْ وَزَجْرًا عَنِ انْتِهَاكِ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا يَكُونُ لِمُعَيَّنٍ لِئَلَّا يَقْنَطَ قَالَ فَإِنْ كَانَ هَذَا مُرَادَ الْبُخَارِيِّ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ لَعْنِ الشَّارِبِ وَقَالَ لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ قُلْتُ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ قَرِيبًا وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِيَرْتَدِعَ مَنْ سَمِعَهُ عَنِ السَّرِقَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً قُلْتُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُرَادَ بِهِ حَقِيقَة اللَّعْن بل للتنفير فَقَطْ وَقَالَ الطِّيبِيُّ لَعَلَّ هُنَا الْمُرَادَ بِاللَّعْنِ الْإِهَانَةُ وَالْخِذْلَانُ كَأَنَّهُ قِيلَ لَمَّا اسْتَعْمَلَ أَعَزَّ شَيْءٍ فِي أَحْقَرِ شَيْءٍ خَذَلَهُ اللَّهُ حَتَّى قُطِعَ وَقَالَ عِيَاضٌ جَوَّزَ بَعْضُهُمْ لَعْنَ الْمُعَيَّنِ مَا لَمْ يُحَدَّ لِأَنَّ الْحَدَّ كَفَّارَةٌ قَالَ وَلَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنِ اللَّعْنِ فِي الْجُمْلَةِ فَحَمْلُهُ عَلَى الْمُعَيَّنِ أَوْلَى وَقَدْ قِيلَ إِنَّ لَعْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي كَانَ تَحْذِيرًا لَهُمْ عَنْهَا قَبْلَ وُقُوعِهَا فَإِذَا فَعَلُوهَا اسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَدَعَا لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ وَأَمَّا مَنْ أَغْلَظَ لَهُ وَلَعَنَهُ تَأْدِيبًا عَلَى فِعْلٍ فَعَلَهُ فَقَدْ دَخَلَ فِي عُمُومِ شَرْطِهِ حَيْثُ قَالَ سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَ لَعْنِي لَهُ كَفَّارَةً وَرَحْمَةً قُلْتُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا صَدَرَ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ كَمَا قُيِّدَ بِذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ

    [رقم الحديث عند عبدالباقي:6430 ... ورقمه عند البغا:6783] قَوْلُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِي الْحُنَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَسَيَأْتِي بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ فِي بَابِ تَوْبَةِ السَّارِقِ وَقَالَ بن حَزْمٍ وَقَدْ سَلِمَ مِنْ تَدْلِيسِ الْأَعْمَشِ قُلْتُ وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ الْأَعْمَشُ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَوْلُهُ لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ فِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ إِنْ سَرَقَ بَيْضَةً قُطِعَتْ يَدُهُ وَإِنْ سَرَقَ حَبْلًا قُطِعَتْ يَدُهُ قَوْلُهُ قَالَ الْأَعْمَشُ هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ كَانُوا يَرَوْنَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ الرَّأْيِ وَبِضَمِّهِ مِنَ الظَّنِّ قَوْلُهُ أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ قَوْلُهُ وَالْحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا مَا يُسَاوِي دَرَاهِمَ وَقَعَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ يَسْوَى وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ صِحَّتَهَا وَالْحَقُّ أَنَّهَا جَائِزَةٌ لَكِنْ بِقِلَّةٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ تَأْوِيلُ الْأَعْمَشِ هَذَا غَيْرُ مُطَابِقٍ لِمَذْهَبِ الْحَدِيثِ وَمَخْرَجِ الْكَلَامِ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالشَّائِعِ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ فِي مِثْلِ مَا وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ مِنَ اللَّوْمِ وَالتَّثْرِيبِ أَخْزَى اللَّهُ فُلَانًا عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتَّلَفِ فِي مَالٍ لَهُ قَدْرٌ وَمَزِيَّةٌ وَفِي عَرَضٍ لَهُ قِيمَةٌ إِنَّمَا يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي مِثْلِهِ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَا وَزْنَ لَهُ وَلَا قِيمَةَ هَذَا حُكْمُ الْعُرْفِ الْجَارِي فِي مِثْلِهِ وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيثِ وَتَأْوِيلُهُ ذَمُّ السَّرِقَةِ وَتَهْجِينُ أَمْرِهَا وَتَحْذِيرُ سُوءِ مَغَبَّتِهَا فِيمَا قَلَّ وَكَثُرَ مِنَ الْمَالِ كَأَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ سَرِقَةَ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا قِيمَةَ لَهُ كَالْبَيْضَةِ الْمَذِرَةِ وَالْحَبْلِ الْخَلَقِ الَّذِي لَا قِيمَةَ لَهُ إِذَا تَعَاطَاهُ فَاسْتَمَرَّتْ بِهِ الْعَادَةُ لَمْ يَيْأَسْ أَنْ يُؤَدِّيَهُ ذَلِكَ إِلَى سَرِقَةِ مَا فَوْقَهَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرَ مَا تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ فَتُقْطَعُ يَدُهُ كَأَنَّهُ يَقُولُ فَلْيَحْذَرْ هَذَا الْفِعْلَ وَلْيَتَوَقَّهُ قَبْلَ أَنْ تَمْلِكَهُ الْعَادَةُ وَيَمْرُنَ عَلَيْهَا لِيَسْلَمَ مِنْ سُوءِ مَغَبَّتِهِ وَوَخِيمِ عَاقِبَتِهِ قُلْتُ وَسَبَقَ الْخَطَّابِيَّ إِلَى ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ فِيمَا حَكَاهُ بن بَطَّالٍ فَقَالَ احْتَجَّ الْخَوَارِجُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ فِي قَلِيلِ الْأَشْيَاءِ وَكَثِيرِهَا وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ مَا نَزَلَ ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَكَانَ بَيَانًا لِمَا أُجْمِلَ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ قَالَ وَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْمَشِ إِنَّ الْبَيْضَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ الَّتِي تُجْعَلُ فِي الرَّأْسِ فِي الْحَرْبِ وَأَنَّ الْحَبْلَ مِنْ حِبَالِ السُّفُنِ فَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ صَحِيحَ كَلَامِ الْعَرَبِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ يَبْلُغُ دَنَانِيرَ كَثِيرَةً وَهَذَا لَيْسَ مَوْضِعَ تَكْثِيرٍ لِمَا سَرَقَهُ السَّارِقُ وَلِأَنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ أَنْ يَقُولُوا قَبَّحَ اللَّهُ فُلَانًا عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلضَّرْبِ فِي عِقْدِ جَوْهَرٍ وَتَعَرَّضَ لِلْعُقُوبَةِ بِالْغُلُولِ فِي جِرَابِ مِسْكٍ وَإِنَّمَا الْعَادَةُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُقَالَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَرَّضَ لِقَطْعِ الْيَدِ فِي حَبْلٍ رَثٍّ أَوْ فِي كُبَّةِ شَعْرٍ أَوْ رِدَاءٍ خَلَقٍ وَكُلُّ مَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ كَانَ أَبْلَغَ انْتَهَى وَرَأَيْتُهُ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِابْنِ قُتَيْبَةَ وَفِيهِ حَضَرْتُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ بِمَكَّةَ قَالَ فَرَأَيْتُهُ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَيُعْجَبُ بِهِ وَيُبْدِئُ وَيُعِيدُ قَالَ وَهَذَا لَا يَجُوزُ فَذَكَرَهُ وَقَدْ تَعَقَّبَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ فَقَالَ لَيْسَ الَّذِي طعن بِهِ بن قُتَيْبَةَ عَلَى تَأْوِيلِ الْخَبَرِ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْبَيْضَةَ مِنَ السِّلَاحِ لَيْسَتْ عَلَمًا فِي كَثْرَةِ الثَّمَنِ وَنِهَايَةً فِي غُلُوِّ الْقِيمَةِ فَتَجْرِي مَجْرَى الْعِقْدِ مِنَ الْجَوْهَرِ وَالْجِرَابِ مِنَ الْمِسْكِ اللَّذَيْنِ رُبَّمَا يُسَاوِيَانِ الْأُلُوفَ مِنَ الدَّنَانِيرِ بَلِ الْبَيْضَةُ مِنَ الْحَدِيدِ رُبَّمَا اشْتُرِيَتْ بِأَقَلَّ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ وَإِنَّمَا مُرَادُ الْحَدِيثِ أَنَّ السَّارِقَ يُعَرِّضُ قَطْعَ يَدِهِ بِمَا لَا غِنَى لَهُ بِهِ لِأَنَّ الْبَيْضَةَ مِنَ السِّلَاحِ لَا يَسْتَغْنِي بِهَا أَحَدٌ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَبَرِ أَنَّ السَّارِقَ يسرق الْجَلِيل قطع يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَقِيرَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ فَكَأَنَّهُ تَعْجِيزٌ لَهُ وَتَضْعِيفٌ لِاخْتِيَارِهِ لِكَوْنِهِ بَاعَ يَدَهُ بِقَلِيلِ الثَّمَنِ وَكَثِيرِهِ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ تَأَوَّلَ بَعْضُ النَّاسِ الْبَيْضَة فِي الحَدِيث ببيضة الْحَدِيدِ لِأَنَّهُ يُسَاوِي نِصَابَ الْقَطْعِ وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى عِظَمِ مَا خَسِرَ وَحِقَرِ مَا حَصَلَ وَأَرَادَ مِنْ جِنْسِ الْبَيْضَةِ وَالْحَبْلِ مَا يَبْلُغُ النِّصَابَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَنَظِيرُ حَمْلِهِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ فَإِنَّ أَحَدَ مَا قِيلَ فِيهِ إِنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي ذَلِكَ وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَفْحَصَ الْقَطَاةِ وَهُوَ قَدْرُ مَا تَحْضُنُ فِيهِ بَيْضَهَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَسْجِدًا قَالَ وَمِنْهُ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ وَهُوَ مِمَّا لَا يُتَصَدَّقُ بِهِ وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ وَقَالَ عِيَاضٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَفَتَ لِمَا وَرَدَ أَنَّ الْبَيْضَةَ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ وَالْحَبْلَ حَبْلُ السُّفُنِ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَهُ قِيمَةٌ وَقَدْرٌ فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَقْتَضِي ذَمَّ مَنْ أَخَذَ الْقَلِيلَ لَا الْكَثِيرَ وَالْخَبَرُ إِنَّمَا وَرَدَ لِتَعْظِيمِ مَا جَنَى عَلَى نَفْسِهِ بِمَا تَقِلُّ بِهِ قِيمَتُهُ لَا بِأَكْثَرَ وَالصَّوَابُ تَأْوِيلُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْلِيلِ أَمْرِهِ وَتَهْجِينِ فِعْلِهِ وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُقْطَعْ فِي هَذَا الْقَدْرِ جَرَّتْهُ عَادَتُهُ إِلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ وَأَجَابَ بَعْضُ مَنِ انْتَصَرَ لِتَأْوِيلِ الْأَعْمَشِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ مُجْمَلَةً قَبْلَ بَيَانِ نِصَابِ الْقَطْعِ انْتَهَى وَقَدْ أَخْرَجَ بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ أَنَّهُ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ فِي بَيْضَةِ حَدِيدٍ ثَمَنُهَا رُبْعُ دِينَارٍ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ مَعَ انْقِطَاعِهِ وَلَعَلَّ هَذَا مُسْتَنَدُ التَّأْوِيلِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْأَعْمَشُ وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْبَيْضَةُ فِي اللُّغَةِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ وَفِي الْمُبَالَغَةِ فِي الذَّمِّ فَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُمْ فُلَانٌ بَيْضَةُ الْبَلَدِ إِذَا كَانَ فَرْدًا فِي الْعَظَمَةِ وَكَذَا فِي الِاحْتِقَارِ وَمِنْهُ قَوْلُ أُخْتِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ لَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ أَخَاهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي مَرْثِيَّتِهَا لَهُ لَكِنَّ قَاتِلَهُ مَنْ لَا يعاب بِهِ من كَانَ يدعى قديم بَيْضَةَ الْبَلَدِ وَمِنَ الثَّانِي قَوْلُ الْآخَرِ يَهْجُو قَوْمًا تَأْبَى قُضَاعَةُ أَنْ تُبْدِيَ لَكُمْ نَسَبًا وَابْنَا نِزَارٍ فَأَنْتُمْ بَيْضَةُ الْبَلَدِ وَيُقَالُ فِي الْمَدْحِ أَيْضًا بَيْضَةُ الْقَوْمِ أَيْ وَسَطُهُمْ وَبَيْضَةُ السنام أَي شحمته فَلَمَّا كَانَتِ الْبَيْضَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ حَسُنَ التَّمْثِيلُ بِهَا كَأَنَّهُ قَالَ يَسْرِقُ الْجَلِيلَ وَالْحَقِيرَ فَيُقْطَعُ فَرُبَّ أَنَّهُ عُذِرَ بِالْجَلِيلِ فَلَا عُذْرَ لَهُ بِالْحَقِيرِ وَأَمَّا الْحَبْلُ فَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّحْقِيرِ كَقَوْلِهِمْ مَا تَرَكَ فُلَانٌ عِقَالًا وَلَا ذَهَبَ مِنْ فُلَانٍ عِقَالٌ فَكَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إِذَا اعْتَادَ السَّرِقَةَ لَمْ يَتَمَالَكْ مَعَ غَلَبَةِ الْعَادَةِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْجَلِيلِ وَالْحَقِيرِ وَأَيْضًا فَالْعَارُ الَّذِي يَلْزَمُهُ بِالْقَطْعِ لَا يُسَاوِي مَا حَصَلَ لَهُ وَلَوْ كَانَ جَلِيلًا وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بِقَوْلِهِ صِيَانَةُ الْعُضْوِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصُهَا صِيَانَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي وَرَدَّ بِذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْمَعَرِّيِّ يَدٌ بِخمْس مئين عسجد وديت مَا بالها قطعت فِي رُبْعِ دِينَارِ وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي بَابِ السَّرِقَةِ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى

    باب لَعْنِ السَّارِقِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ
    (باب) حكم (لعين السارق إذا لم يسم) أي لم يعين.

    [ رقم الحديث عند عبدالباقي:6430 ... ورقمه عند البغا: 6783 ]
    - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» قَالَ الأَعْمَشُ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ وَالْحَبْلُ، كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا مَا يَسْوَى دَرَاهِمَ. [الحديث 6783 - طرفه في: 6799].
    وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) قال: (حدثني) بالإفراد (أبي) حفص النخعي الكوفي قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: سمعت أبا صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة) -رضي الله عنه- (عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) أنه (قال):
    (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده) فيه جواز لعن غير المعين من العصاة لأنه لعن الجنس مطلقًا ويحتمل أن يكون خبرًا ليرتدع من سمعه عن السرقة ويحتمل أن لا يراد به حقيقة اللعن بل التنفير فقط وقال في شرح المشكاة: لعل المراد باللعن هنا الإهانة والخذلان كأنه قيل لما استعمل أعز شيء عنده في أحقر شيء خذله الله حتى قطع (ويسرق الحبل) بالحاء المهملة المفتوحة والموحدة الساكنة (فتقطع يده).
    (قال الأعمش) بالسند السابق (كانوا) أي الراوون لهذا الحديث (يرون) بفتح التحتية من الرأي ولأبي ذر بضمها من الظن (أنه بيض الحديد) ولأبي ذر عن الكشميهني بيضة الحديد أي التي تكون على رأس المقاتل (والحبل كانوا يرون) بفتح أوله وضمه ما مر (أنه) أي الحبل المذكور
    (منها) أي من الحبال (ما يسوى) بفتح التحتية والواو بينهما سين مهملة ساكنة ولأبي ذر ما يساوي بضم ففتح فألف فكسر (دراهم).
    قال في الكواكب: أي ثلاثة كأنه نظر إلى أن أقل الجمع ثلاثة وتعقب الأعمش ابن قتيبة فقال قوله في هذا الحديث أن البيضة بيضة الحديد التي تجعل في الرأس في الحرب، وإن الحبل من حبال السفن تأويل لا يجوز عند من يعرف صحيح كلام العرب لأن كل واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة، وهذا ليس موضع تكثير لما يسرقه السارق ولا من عادة العرب والعجم أن يقولوا قبح الله فلانًا عرض نفسه للضرب في عقد جوهر وتعرض للعقوبة بالغلول في جراب مسك وإنما العادة في مثل هذا أن يقال لعنه الله تعرض لقطع اليد في حبل رث أو في كبة شعر أو رداء خلق وكل ما كان نحو ذلك كان أبلغ اهـ.
    وتبعه الخطابي وعبارته تأويل الأعمش هذا غير مطابق للحديث ومخرج الكلام وإنما وجه الحديث وتأويله ذم السرقة وتهجين أمرها وتحذير سوء عاقبتها فيما قل وكثر من المال يقول إن سرقة الشيء اليسير الذي لا قيمة له كالبيضة المذرة والحبل الخلق الذي لا قيمة له إذا تعاطاها فاستمرت به العادة لم ينشب أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقهما حتى يبلغ قدر ما تقطع فيه اليد فتقطع يده يقول فليحذر هذا الفعل وليتوقه قبل أن تملكه العادة ويتمرن عليها ليسلم من عاقبته اهـ.
    لكن أخرج ابن أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أنه قطع يد سارق في بيضة حديد ثمنها ربع دينار قال في الفتح: رجاله ثقات مع انقطاعه ولعل هذا مستند التأويل الذي أشار إليه الأعمش: وقال الكرماني: غرض الأعمش أنه لا قطع في الشيء القليل بل النصاب كربع دينار.
    والحديث أخرجه مسلم في الحدود والنسائي في القطع وابن ماجة في الحدود.

    (بابُُ لَعْنِ السَّارِقِ إِذا لَمْ يُسَمَّ)

    أَي: هَذَا بابُُ فِي بَيَان حكم لعن السَّارِق إِذا لم يُعينهُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى وَجه التَّوْفِيق بَين النَّهْي عَن لعن الشَّارِب الْمعِين وَبَين حَدِيث الْبابُُ، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : قَوْله فِي التَّرْجَمَة: بابُُ لعن السَّارِق إِذا لم يسم، كَذَا فِي جَمِيع النّسخ فَإِن صحت التَّرْجَمَة فَهُوَ أَنه لَا يَنْبَغِي تعيير أهل الْمعاصِي ومواجهتهم باللعن، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يلعن فِي الْجُمْلَة من فعل فعلهم ليَكُون ذَلِك ردعاً وزحراً عَن انتهاك شَيْء مِنْهَا، فَإِذا وَقعت من معِين لم يلعن بِعَيْنِه لِئَلَّا يقنط وييأس، ولنهي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن لعن النعيمان، وَقَالَ ابْن بطال: فَإِن كَانَ البُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى هَذَا فَهُوَ غيرصحيح، لِأَن الشَّارِع إِنَّمَا نهى عَن لَعنه بعد إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ، فَدلَّ على أَن الْفرق بَين من يجب لَعنه وَبَين من لَا يجب، وَبِأَن بَيَانه أَن من أقيم عَلَيْهِ الْحَد لَا يَنْبَغِي لعنته، وَأَن من لم يقم عَلَيْهِ فاللعنة متوجهة إِلَيْهِ سَوَاء سمي وَعين أم لَا، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يلعن إلاَّ من تجب عَلَيْهِ اللَّعْنَة مَا دَامَ على تِلْكَ الْحَالة الْمُوجبَة لَهَا، فَإِذا تَابَ مِنْهَا وطهره الْحَد فَلَا لعنة تتَوَجَّه إِلَيْهِ.


    [ رقم الحديث عند عبدالباقي:6430 ... ورقمه عند البغا:6783 ]
    - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ حدّثني أبي حدّثنا الأعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صالحِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَعَنَ الله السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، ويَسْرقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) . قَالَ الأعْمَشُ: كانُوا يَرَوْنَ أنَّهُ بَيْضُ الحَدِيدِ، والحَبْلُ كانُوا يَرَوْنَ أنَّهُ مِنْها مَا يُساوِي دَرَاهِمَ.

    مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأخرج الحَدِيث عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه حَفْص بن غياث بن طلق النَّخعِيّ الْكُوفِي قاضيها عَن سلميان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان الزيات عَن أبي هُرَيْرَة.
    والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود أَيْضا عَن أبي بكر وَأبي كريب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقطع عَن عبد الله بن مُحَمَّد المَخْزُومِي وَأحمد بن حَرْب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْحُدُود عَن أبي بكر.
    قَوْله: (قَالَ الْأَعْمَش) مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (كَانُوا يرَوْنَ) بِفَتْح الرَّاء من الرَّأْي يُرِيد بِهِ أَن الَّذين رووا هَذَا الحَدِيث كَانُوا يَقُولُونَ: إِن المُرَاد بالبيضة بيض الْحَدِيد وَهُوَ الْبَيْضَة الَّتِي تكون على رَأس الْمقَاتل، وبالحبل مَا يُسَاوِي مِنْهَا دَرَاهِم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يُرَاد بِهِ ثَلَاثَة دَرَاهِم.
    قلت: نظر فِي ذَلِك إِلَى أَن أقل الْجمع ثَلَاثَة وَأَنه أَيْضا أَشَارَ بِهِ إِلَى مذْهبه، فَإِن عِنْده يقطع يَد السَّارِق فِي ربع دِينَار وَهُوَ ثَلَاثَة دَرَاهِم، ثمَّ قَالَ: وغرضه أَنه لَا قطع فِي الشَّيْء الْقَلِيل بل مَاله نِصَاب كربع الدِّينَار، وَعِنْدنَا لَا قطع فِي أقل من عشر دَرَاهِم على مَا يَجِيء بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَول الْأَعْمَش: الْبَيْضَة هُنَا بَيْضَة الْحَدِيد الَّتِي تغْفر الرَّأْس فِي الْحَرْب، وَالْحَبل من حبال السفن، تَأْوِيل لَا يجو عِنْد من يعرف صَحِيح كَلَام الْعَرَب، لِأَن كل وَاحِد من هذَيْن بِدَنَانِير كَثِيرَة وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي خبابُ الدَّلال: حَدثنَا مُخْتَار بن نَافِع حَدثنَا أَبُو حَيَّان التَّيْمِيّ عَن أَبِيه عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه قطع فِي بَيْضَة من حَدِيد قيمتهَا إِحْدَى وَعِشْرُونَ درهما، وَلَيْسَ من عَادَة الْعَرَب والعجم أَن يَقُولُوا: قبح الله فلَانا عرض نَفسه للضرب فِي عقد جَوْهَر وَتعرض للعقوبة بالغلول فِي جراب مسك، وَإِنَّمَا الْعَادة فِي مثل هَذَا أَن يُقَال: لَعنه الله تعرض لقطع الْيَد فِي حَبل رت، أَو كبة شعر، أَو رِدَاء خلق. وَكلما كَانَ من هَذَا الْفَنّ أَحْقَر فَهُوَ أبلغ. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِن ذَلِك من بابُُ التدريج لِأَنَّهُ إِذا اسْتمرّ ذَلِك بِهِ لم يَأْمَن أَن يُؤَدِّيه ذَلِك إِلَى سَرقَة مَا فَوْقهَا حَتَّى يبلغ فِيهِ الْقطع فتقطع يَده فليحذر هَذَا الْفِعْل وليتركه قبل أَن تملكه الْعَادة وَيَمُوت عَلَيْهَا ليسلم من سوء عاقبته، وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَا قَالَه الْأَعْمَش مُحْتَمل، وَقد يحْتَمل أَن يكون هَذَا قبل أَن يبين الشَّارِع الْقدر الَّذِي يقطع فِيهِ السَّارِق، وَقيل: هَذَا مَحْمُول على الْمُبَالغَة فِي التَّنْبِيه على عظم مَا خسر وحقر مَا حصل، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَنَظِير حمله على الْمُبَالغَة مَا حمل عَلَيْهِ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من بنى لله مَسْجِدا وَلَو كمفحص قطاة فَإِن أحدا لم يقل فِيهِ إِنَّه أَرَادَ الْمُبَالغَة فِي ذَلِك، وإلاَّ فَمن الْمَعْلُوم أَن مفحص الْقُضَاة وَهُوَ قدر مَا تحصن بِهِ بيضها لَا يتَصَوَّر أَن يكون مَسْجِدا. وَمِنْه: تصدقن وَلَو بظلف محرق، وَهُوَ مِمَّا لَا يتَصَدَّق بِهِ، وَمثله كثير فِي كَلَامهم. وَاحْتج الْخَوَارِج بِهَذَا الحَدِيث على أَن الْقطع يجب فِي قَلِيل الْأَشْيَاء وكثيرها وَلَا حجَّة لَهُم فِي ذَلِك لِأَن قَوْله تَعَالَى: {وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا} (الْمَائِدَة: 83) لما نزل قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ذَلِك على ظَاهر مَا نزل، ثمَّ أعلمهُ الله أَن الْقطع لَا يكون إلاَّ فِي مِقْدَار مَعْلُوم، فَكَانَ بَيَانا لما أجمل فَوَجَبَ الْمصير إِلَيْهِ، وَفِي هَذَا الْمِقْدَار اخْتِلَاف بَين الْعلمَاء على مَا يَجِيء بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

    (قَوْلُهُ بَابُ لَعْنِ السَّارِقِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ)
    أَيْ إِذَا لَمْ يُعَيَّنْ إِشَارَةً إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ لَعْنِ الشَّارِبِ الْمُعَيَّنِ كَمَا مضى تَقْرِيره وَبَين حَدِيث الْبَاب قَالَ بن بَطَّالٍ مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي تَعْيِينُ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَمُوَاجَهَتُهُمْ بِاللَّعْنِ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْعَنَ فِي الْجُمْلَةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ رَدْعًا لَهُمْ وَزَجْرًا عَنِ انْتِهَاكِ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا يَكُونُ لِمُعَيَّنٍ لِئَلَّا يَقْنَطَ قَالَ فَإِنْ كَانَ هَذَا مُرَادَ الْبُخَارِيِّ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ لَعْنِ الشَّارِبِ وَقَالَ لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ قُلْتُ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ قَرِيبًا وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِيَرْتَدِعَ مَنْ سَمِعَهُ عَنِ السَّرِقَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً قُلْتُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُرَادَ بِهِ حَقِيقَة اللَّعْن بل للتنفير فَقَطْ وَقَالَ الطِّيبِيُّ لَعَلَّ هُنَا الْمُرَادَ بِاللَّعْنِ الْإِهَانَةُ وَالْخِذْلَانُ كَأَنَّهُ قِيلَ لَمَّا اسْتَعْمَلَ أَعَزَّ شَيْءٍ فِي أَحْقَرِ شَيْءٍ خَذَلَهُ اللَّهُ حَتَّى قُطِعَ وَقَالَ عِيَاضٌ جَوَّزَ بَعْضُهُمْ لَعْنَ الْمُعَيَّنِ مَا لَمْ يُحَدَّ لِأَنَّ الْحَدَّ كَفَّارَةٌ قَالَ وَلَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنِ اللَّعْنِ فِي الْجُمْلَةِ فَحَمْلُهُ عَلَى الْمُعَيَّنِ أَوْلَى وَقَدْ قِيلَ إِنَّ لَعْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي كَانَ تَحْذِيرًا لَهُمْ عَنْهَا قَبْلَ وُقُوعِهَا فَإِذَا فَعَلُوهَا اسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَدَعَا لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ وَأَمَّا مَنْ أَغْلَظَ لَهُ وَلَعَنَهُ تَأْدِيبًا عَلَى فِعْلٍ فَعَلَهُ فَقَدْ دَخَلَ فِي عُمُومِ شَرْطِهِ حَيْثُ قَالَ سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَ لَعْنِي لَهُ كَفَّارَةً وَرَحْمَةً قُلْتُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا صَدَرَ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ كَمَا قُيِّدَ بِذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ

    [رقم الحديث عند عبدالباقي:6430 ... ورقمه عند البغا:6783] قَوْلُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِي الْحُنَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَسَيَأْتِي بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ فِي بَابِ تَوْبَةِ السَّارِقِ وَقَالَ بن حَزْمٍ وَقَدْ سَلِمَ مِنْ تَدْلِيسِ الْأَعْمَشِ قُلْتُ وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ الْأَعْمَشُ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَوْلُهُ لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ فِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ إِنْ سَرَقَ بَيْضَةً قُطِعَتْ يَدُهُ وَإِنْ سَرَقَ حَبْلًا قُطِعَتْ يَدُهُ قَوْلُهُ قَالَ الْأَعْمَشُ هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ كَانُوا يَرَوْنَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ الرَّأْيِ وَبِضَمِّهِ مِنَ الظَّنِّ قَوْلُهُ أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ قَوْلُهُ وَالْحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا مَا يُسَاوِي دَرَاهِمَ وَقَعَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ يَسْوَى وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ صِحَّتَهَا وَالْحَقُّ أَنَّهَا جَائِزَةٌ لَكِنْ بِقِلَّةٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ تَأْوِيلُ الْأَعْمَشِ هَذَا غَيْرُ مُطَابِقٍ لِمَذْهَبِ الْحَدِيثِ وَمَخْرَجِ الْكَلَامِ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالشَّائِعِ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ فِي مِثْلِ مَا وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ مِنَ اللَّوْمِ وَالتَّثْرِيبِ أَخْزَى اللَّهُ فُلَانًا عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتَّلَفِ فِي مَالٍ لَهُ قَدْرٌ وَمَزِيَّةٌ وَفِي عَرَضٍ لَهُ قِيمَةٌ إِنَّمَا يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي مِثْلِهِ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَا وَزْنَ لَهُ وَلَا قِيمَةَ هَذَا حُكْمُ الْعُرْفِ الْجَارِي فِي مِثْلِهِ وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيثِ وَتَأْوِيلُهُ ذَمُّ السَّرِقَةِ وَتَهْجِينُ أَمْرِهَا وَتَحْذِيرُ سُوءِ مَغَبَّتِهَا فِيمَا قَلَّ وَكَثُرَ مِنَ الْمَالِ كَأَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ سَرِقَةَ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا قِيمَةَ لَهُ كَالْبَيْضَةِ الْمَذِرَةِ وَالْحَبْلِ الْخَلَقِ الَّذِي لَا قِيمَةَ لَهُ إِذَا تَعَاطَاهُ فَاسْتَمَرَّتْ بِهِ الْعَادَةُ لَمْ يَيْأَسْ أَنْ يُؤَدِّيَهُ ذَلِكَ إِلَى سَرِقَةِ مَا فَوْقَهَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرَ مَا تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ فَتُقْطَعُ يَدُهُ كَأَنَّهُ يَقُولُ فَلْيَحْذَرْ هَذَا الْفِعْلَ وَلْيَتَوَقَّهُ قَبْلَ أَنْ تَمْلِكَهُ الْعَادَةُ وَيَمْرُنَ عَلَيْهَا لِيَسْلَمَ مِنْ سُوءِ مَغَبَّتِهِ وَوَخِيمِ عَاقِبَتِهِ قُلْتُ وَسَبَقَ الْخَطَّابِيَّ إِلَى ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ فِيمَا حَكَاهُ بن بَطَّالٍ فَقَالَ احْتَجَّ الْخَوَارِجُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ فِي قَلِيلِ الْأَشْيَاءِ وَكَثِيرِهَا وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ مَا نَزَلَ ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَكَانَ بَيَانًا لِمَا أُجْمِلَ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ قَالَ وَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْمَشِ إِنَّ الْبَيْضَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ الَّتِي تُجْعَلُ فِي الرَّأْسِ فِي الْحَرْبِ وَأَنَّ الْحَبْلَ مِنْ حِبَالِ السُّفُنِ فَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ صَحِيحَ كَلَامِ الْعَرَبِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ يَبْلُغُ دَنَانِيرَ كَثِيرَةً وَهَذَا لَيْسَ مَوْضِعَ تَكْثِيرٍ لِمَا سَرَقَهُ السَّارِقُ وَلِأَنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ أَنْ يَقُولُوا قَبَّحَ اللَّهُ فُلَانًا عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلضَّرْبِ فِي عِقْدِ جَوْهَرٍ وَتَعَرَّضَ لِلْعُقُوبَةِ بِالْغُلُولِ فِي جِرَابِ مِسْكٍ وَإِنَّمَا الْعَادَةُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُقَالَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَرَّضَ لِقَطْعِ الْيَدِ فِي حَبْلٍ رَثٍّ أَوْ فِي كُبَّةِ شَعْرٍ أَوْ رِدَاءٍ خَلَقٍ وَكُلُّ مَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ كَانَ أَبْلَغَ انْتَهَى وَرَأَيْتُهُ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِابْنِ قُتَيْبَةَ وَفِيهِ حَضَرْتُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ بِمَكَّةَ قَالَ فَرَأَيْتُهُ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَيُعْجَبُ بِهِ وَيُبْدِئُ وَيُعِيدُ قَالَ وَهَذَا لَا يَجُوزُ فَذَكَرَهُ وَقَدْ تَعَقَّبَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ فَقَالَ لَيْسَ الَّذِي طعن بِهِ بن قُتَيْبَةَ عَلَى تَأْوِيلِ الْخَبَرِ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْبَيْضَةَ مِنَ السِّلَاحِ لَيْسَتْ عَلَمًا فِي كَثْرَةِ الثَّمَنِ وَنِهَايَةً فِي غُلُوِّ الْقِيمَةِ فَتَجْرِي مَجْرَى الْعِقْدِ مِنَ الْجَوْهَرِ وَالْجِرَابِ مِنَ الْمِسْكِ اللَّذَيْنِ رُبَّمَا يُسَاوِيَانِ الْأُلُوفَ مِنَ الدَّنَانِيرِ بَلِ الْبَيْضَةُ مِنَ الْحَدِيدِ رُبَّمَا اشْتُرِيَتْ بِأَقَلَّ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ وَإِنَّمَا مُرَادُ الْحَدِيثِ أَنَّ السَّارِقَ يُعَرِّضُ قَطْعَ يَدِهِ بِمَا لَا غِنَى لَهُ بِهِ لِأَنَّ الْبَيْضَةَ مِنَ السِّلَاحِ لَا يَسْتَغْنِي بِهَا أَحَدٌ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَبَرِ أَنَّ السَّارِقَ يسرق الْجَلِيل قطع يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَقِيرَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ فَكَأَنَّهُ تَعْجِيزٌ لَهُ وَتَضْعِيفٌ لِاخْتِيَارِهِ لِكَوْنِهِ بَاعَ يَدَهُ بِقَلِيلِ الثَّمَنِ وَكَثِيرِهِ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ تَأَوَّلَ بَعْضُ النَّاسِ الْبَيْضَة فِي الحَدِيث ببيضة الْحَدِيدِ لِأَنَّهُ يُسَاوِي نِصَابَ الْقَطْعِ وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى عِظَمِ مَا خَسِرَ وَحِقَرِ مَا حَصَلَ وَأَرَادَ مِنْ جِنْسِ الْبَيْضَةِ وَالْحَبْلِ مَا يَبْلُغُ النِّصَابَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَنَظِيرُ حَمْلِهِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ فَإِنَّ أَحَدَ مَا قِيلَ فِيهِ إِنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي ذَلِكَ وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَفْحَصَ الْقَطَاةِ وَهُوَ قَدْرُ مَا تَحْضُنُ فِيهِ بَيْضَهَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَسْجِدًا قَالَ وَمِنْهُ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ وَهُوَ مِمَّا لَا يُتَصَدَّقُ بِهِ وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ وَقَالَ عِيَاضٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَفَتَ لِمَا وَرَدَ أَنَّ الْبَيْضَةَ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ وَالْحَبْلَ حَبْلُ السُّفُنِ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَهُ قِيمَةٌ وَقَدْرٌ فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَقْتَضِي ذَمَّ مَنْ أَخَذَ الْقَلِيلَ لَا الْكَثِيرَ وَالْخَبَرُ إِنَّمَا وَرَدَ لِتَعْظِيمِ مَا جَنَى عَلَى نَفْسِهِ بِمَا تَقِلُّ بِهِ قِيمَتُهُ لَا بِأَكْثَرَ وَالصَّوَابُ تَأْوِيلُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْلِيلِ أَمْرِهِ وَتَهْجِينِ فِعْلِهِ وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُقْطَعْ فِي هَذَا الْقَدْرِ جَرَّتْهُ عَادَتُهُ إِلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ وَأَجَابَ بَعْضُ مَنِ انْتَصَرَ لِتَأْوِيلِ الْأَعْمَشِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ مُجْمَلَةً قَبْلَ بَيَانِ نِصَابِ الْقَطْعِ انْتَهَى وَقَدْ أَخْرَجَ بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ أَنَّهُ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ فِي بَيْضَةِ حَدِيدٍ ثَمَنُهَا رُبْعُ دِينَارٍ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ مَعَ انْقِطَاعِهِ وَلَعَلَّ هَذَا مُسْتَنَدُ التَّأْوِيلِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْأَعْمَشُ وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْبَيْضَةُ فِي اللُّغَةِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ وَفِي الْمُبَالَغَةِ فِي الذَّمِّ فَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُمْ فُلَانٌ بَيْضَةُ الْبَلَدِ إِذَا كَانَ فَرْدًا فِي الْعَظَمَةِ وَكَذَا فِي الِاحْتِقَارِ وَمِنْهُ قَوْلُ أُخْتِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ لَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ أَخَاهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي مَرْثِيَّتِهَا لَهُ لَكِنَّ قَاتِلَهُ مَنْ لَا يعاب بِهِ من كَانَ يدعى قديم بَيْضَةَ الْبَلَدِ وَمِنَ الثَّانِي قَوْلُ الْآخَرِ يَهْجُو قَوْمًا تَأْبَى قُضَاعَةُ أَنْ تُبْدِيَ لَكُمْ نَسَبًا وَابْنَا نِزَارٍ فَأَنْتُمْ بَيْضَةُ الْبَلَدِ وَيُقَالُ فِي الْمَدْحِ أَيْضًا بَيْضَةُ الْقَوْمِ أَيْ وَسَطُهُمْ وَبَيْضَةُ السنام أَي شحمته فَلَمَّا كَانَتِ الْبَيْضَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ حَسُنَ التَّمْثِيلُ بِهَا كَأَنَّهُ قَالَ يَسْرِقُ الْجَلِيلَ وَالْحَقِيرَ فَيُقْطَعُ فَرُبَّ أَنَّهُ عُذِرَ بِالْجَلِيلِ فَلَا عُذْرَ لَهُ بِالْحَقِيرِ وَأَمَّا الْحَبْلُ فَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّحْقِيرِ كَقَوْلِهِمْ مَا تَرَكَ فُلَانٌ عِقَالًا وَلَا ذَهَبَ مِنْ فُلَانٍ عِقَالٌ فَكَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إِذَا اعْتَادَ السَّرِقَةَ لَمْ يَتَمَالَكْ مَعَ غَلَبَةِ الْعَادَةِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْجَلِيلِ وَالْحَقِيرِ وَأَيْضًا فَالْعَارُ الَّذِي يَلْزَمُهُ بِالْقَطْعِ لَا يُسَاوِي مَا حَصَلَ لَهُ وَلَوْ كَانَ جَلِيلًا وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بِقَوْلِهِ صِيَانَةُ الْعُضْوِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصُهَا صِيَانَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي وَرَدَّ بِذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْمَعَرِّيِّ يَدٌ بِخمْس مئين عسجد وديت مَا بالها قطعت فِي رُبْعِ دِينَارِ وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي بَابِ السَّرِقَةِ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى

    باب لَعْنِ السَّارِقِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ
    (باب) حكم (لعين السارق إذا لم يسم) أي لم يعين.

    [ رقم الحديث عند عبدالباقي:6430 ... ورقمه عند البغا: 6783 ]
    - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» قَالَ الأَعْمَشُ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ وَالْحَبْلُ، كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا مَا يَسْوَى دَرَاهِمَ. [الحديث 6783 - طرفه في: 6799].
    وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) قال: (حدثني) بالإفراد (أبي) حفص النخعي الكوفي قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: سمعت أبا صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة) -رضي الله عنه- (عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) أنه (قال):
    (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده) فيه جواز لعن غير المعين من العصاة لأنه لعن الجنس مطلقًا ويحتمل أن يكون خبرًا ليرتدع من سمعه عن السرقة ويحتمل أن لا يراد به حقيقة اللعن بل التنفير فقط وقال في شرح المشكاة: لعل المراد باللعن هنا الإهانة والخذلان كأنه قيل لما استعمل أعز شيء عنده في أحقر شيء خذله الله حتى قطع (ويسرق الحبل) بالحاء المهملة المفتوحة والموحدة الساكنة (فتقطع يده).
    (قال الأعمش) بالسند السابق (كانوا) أي الراوون لهذا الحديث (يرون) بفتح التحتية من الرأي ولأبي ذر بضمها من الظن (أنه بيض الحديد) ولأبي ذر عن الكشميهني بيضة الحديد أي التي تكون على رأس المقاتل (والحبل كانوا يرون) بفتح أوله وضمه ما مر (أنه) أي الحبل المذكور
    (منها) أي من الحبال (ما يسوى) بفتح التحتية والواو بينهما سين مهملة ساكنة ولأبي ذر ما يساوي بضم ففتح فألف فكسر (دراهم).
    قال في الكواكب: أي ثلاثة كأنه نظر إلى أن أقل الجمع ثلاثة وتعقب الأعمش ابن قتيبة فقال قوله في هذا الحديث أن البيضة بيضة الحديد التي تجعل في الرأس في الحرب، وإن الحبل من حبال السفن تأويل لا يجوز عند من يعرف صحيح كلام العرب لأن كل واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة، وهذا ليس موضع تكثير لما يسرقه السارق ولا من عادة العرب والعجم أن يقولوا قبح الله فلانًا عرض نفسه للضرب في عقد جوهر وتعرض للعقوبة بالغلول في جراب مسك وإنما العادة في مثل هذا أن يقال لعنه الله تعرض لقطع اليد في حبل رث أو في كبة شعر أو رداء خلق وكل ما كان نحو ذلك كان أبلغ اهـ.
    وتبعه الخطابي وعبارته تأويل الأعمش هذا غير مطابق للحديث ومخرج الكلام وإنما وجه الحديث وتأويله ذم السرقة وتهجين أمرها وتحذير سوء عاقبتها فيما قل وكثر من المال يقول إن سرقة الشيء اليسير الذي لا قيمة له كالبيضة المذرة والحبل الخلق الذي لا قيمة له إذا تعاطاها فاستمرت به العادة لم ينشب أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقهما حتى يبلغ قدر ما تقطع فيه اليد فتقطع يده يقول فليحذر هذا الفعل وليتوقه قبل أن تملكه العادة ويتمرن عليها ليسلم من عاقبته اهـ.
    لكن أخرج ابن أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أنه قطع يد سارق في بيضة حديد ثمنها ربع دينار قال في الفتح: رجاله ثقات مع انقطاعه ولعل هذا مستند التأويل الذي أشار إليه الأعمش: وقال الكرماني: غرض الأعمش أنه لا قطع في الشيء القليل بل النصاب كربع دينار.
    والحديث أخرجه مسلم في الحدود والنسائي في القطع وابن ماجة في الحدود.

    (بابُُ لَعْنِ السَّارِقِ إِذا لَمْ يُسَمَّ)

    أَي: هَذَا بابُُ فِي بَيَان حكم لعن السَّارِق إِذا لم يُعينهُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى وَجه التَّوْفِيق بَين النَّهْي عَن لعن الشَّارِب الْمعِين وَبَين حَدِيث الْبابُُ، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : قَوْله فِي التَّرْجَمَة: بابُُ لعن السَّارِق إِذا لم يسم، كَذَا فِي جَمِيع النّسخ فَإِن صحت التَّرْجَمَة فَهُوَ أَنه لَا يَنْبَغِي تعيير أهل الْمعاصِي ومواجهتهم باللعن، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يلعن فِي الْجُمْلَة من فعل فعلهم ليَكُون ذَلِك ردعاً وزحراً عَن انتهاك شَيْء مِنْهَا، فَإِذا وَقعت من معِين لم يلعن بِعَيْنِه لِئَلَّا يقنط وييأس، ولنهي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن لعن النعيمان، وَقَالَ ابْن بطال: فَإِن كَانَ البُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى هَذَا فَهُوَ غيرصحيح، لِأَن الشَّارِع إِنَّمَا نهى عَن لَعنه بعد إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ، فَدلَّ على أَن الْفرق بَين من يجب لَعنه وَبَين من لَا يجب، وَبِأَن بَيَانه أَن من أقيم عَلَيْهِ الْحَد لَا يَنْبَغِي لعنته، وَأَن من لم يقم عَلَيْهِ فاللعنة متوجهة إِلَيْهِ سَوَاء سمي وَعين أم لَا، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يلعن إلاَّ من تجب عَلَيْهِ اللَّعْنَة مَا دَامَ على تِلْكَ الْحَالة الْمُوجبَة لَهَا، فَإِذا تَابَ مِنْهَا وطهره الْحَد فَلَا لعنة تتَوَجَّه إِلَيْهِ.


    [ رقم الحديث عند عبدالباقي:6430 ... ورقمه عند البغا:6783 ]
    - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ حدّثني أبي حدّثنا الأعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صالحِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَعَنَ الله السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، ويَسْرقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) . قَالَ الأعْمَشُ: كانُوا يَرَوْنَ أنَّهُ بَيْضُ الحَدِيدِ، والحَبْلُ كانُوا يَرَوْنَ أنَّهُ مِنْها مَا يُساوِي دَرَاهِمَ.

    مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأخرج الحَدِيث عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه حَفْص بن غياث بن طلق النَّخعِيّ الْكُوفِي قاضيها عَن سلميان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان الزيات عَن أبي هُرَيْرَة.
    والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود أَيْضا عَن أبي بكر وَأبي كريب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقطع عَن عبد الله بن مُحَمَّد المَخْزُومِي وَأحمد بن حَرْب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْحُدُود عَن أبي بكر.
    قَوْله: (قَالَ الْأَعْمَش) مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (كَانُوا يرَوْنَ) بِفَتْح الرَّاء من الرَّأْي يُرِيد بِهِ أَن الَّذين رووا هَذَا الحَدِيث كَانُوا يَقُولُونَ: إِن المُرَاد بالبيضة بيض الْحَدِيد وَهُوَ الْبَيْضَة الَّتِي تكون على رَأس الْمقَاتل، وبالحبل مَا يُسَاوِي مِنْهَا دَرَاهِم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يُرَاد بِهِ ثَلَاثَة دَرَاهِم.
    قلت: نظر فِي ذَلِك إِلَى أَن أقل الْجمع ثَلَاثَة وَأَنه أَيْضا أَشَارَ بِهِ إِلَى مذْهبه، فَإِن عِنْده يقطع يَد السَّارِق فِي ربع دِينَار وَهُوَ ثَلَاثَة دَرَاهِم، ثمَّ قَالَ: وغرضه أَنه لَا قطع فِي الشَّيْء الْقَلِيل بل مَاله نِصَاب كربع الدِّينَار، وَعِنْدنَا لَا قطع فِي أقل من عشر دَرَاهِم على مَا يَجِيء بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَول الْأَعْمَش: الْبَيْضَة هُنَا بَيْضَة الْحَدِيد الَّتِي تغْفر الرَّأْس فِي الْحَرْب، وَالْحَبل من حبال السفن، تَأْوِيل لَا يجو عِنْد من يعرف صَحِيح كَلَام الْعَرَب، لِأَن كل وَاحِد من هذَيْن بِدَنَانِير كَثِيرَة وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي خبابُ الدَّلال: حَدثنَا مُخْتَار بن نَافِع حَدثنَا أَبُو حَيَّان التَّيْمِيّ عَن أَبِيه عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه قطع فِي بَيْضَة من حَدِيد قيمتهَا إِحْدَى وَعِشْرُونَ درهما، وَلَيْسَ من عَادَة الْعَرَب والعجم أَن يَقُولُوا: قبح الله فلَانا عرض نَفسه للضرب فِي عقد جَوْهَر وَتعرض للعقوبة بالغلول فِي جراب مسك، وَإِنَّمَا الْعَادة فِي مثل هَذَا أَن يُقَال: لَعنه الله تعرض لقطع الْيَد فِي حَبل رت، أَو كبة شعر، أَو رِدَاء خلق. وَكلما كَانَ من هَذَا الْفَنّ أَحْقَر فَهُوَ أبلغ. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِن ذَلِك من بابُُ التدريج لِأَنَّهُ إِذا اسْتمرّ ذَلِك بِهِ لم يَأْمَن أَن يُؤَدِّيه ذَلِك إِلَى سَرقَة مَا فَوْقهَا حَتَّى يبلغ فِيهِ الْقطع فتقطع يَده فليحذر هَذَا الْفِعْل وليتركه قبل أَن تملكه الْعَادة وَيَمُوت عَلَيْهَا ليسلم من سوء عاقبته، وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَا قَالَه الْأَعْمَش مُحْتَمل، وَقد يحْتَمل أَن يكون هَذَا قبل أَن يبين الشَّارِع الْقدر الَّذِي يقطع فِيهِ السَّارِق، وَقيل: هَذَا مَحْمُول على الْمُبَالغَة فِي التَّنْبِيه على عظم مَا خسر وحقر مَا حصل، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَنَظِير حمله على الْمُبَالغَة مَا حمل عَلَيْهِ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من بنى لله مَسْجِدا وَلَو كمفحص قطاة فَإِن أحدا لم يقل فِيهِ إِنَّه أَرَادَ الْمُبَالغَة فِي ذَلِك، وإلاَّ فَمن الْمَعْلُوم أَن مفحص الْقُضَاة وَهُوَ قدر مَا تحصن بِهِ بيضها لَا يتَصَوَّر أَن يكون مَسْجِدا. وَمِنْه: تصدقن وَلَو بظلف محرق، وَهُوَ مِمَّا لَا يتَصَدَّق بِهِ، وَمثله كثير فِي كَلَامهم. وَاحْتج الْخَوَارِج بِهَذَا الحَدِيث على أَن الْقطع يجب فِي قَلِيل الْأَشْيَاء وكثيرها وَلَا حجَّة لَهُم فِي ذَلِك لِأَن قَوْله تَعَالَى: {وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا} (الْمَائِدَة: 83) لما نزل قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ذَلِك على ظَاهر مَا نزل، ثمَّ أعلمهُ الله أَن الْقطع لَا يكون إلاَّ فِي مِقْدَار مَعْلُوم، فَكَانَ بَيَانا لما أجمل فَوَجَبَ الْمصير إِلَيْهِ، وَفِي هَذَا الْمِقْدَار اخْتِلَاف بَين الْعلمَاء على مَا يَجِيء بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

    رواة الحديث

    تعرف هنا على رواة هذا الحديث الشريف وسيرتهم وطبقاتهم ورتبة كل منهم