عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : " فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ "
    1701 حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، ح وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، وَأَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ
    233

    أحاديث أخري متعلقة من كتاب كتاب الزكاة

    فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا

    لا تتوفر ترجمة لهذا الحديث

    وهذه ترجمة لمعناه من ترجمة لحديث (البخاري في صحيحه - باب فرض صدقة الفطر - رقمه 1443) من قائمة تخريجه

    Allah's Messenger (ﷺ) enjoined the payment of one Sa' of dates or one Sa' of barley as Zakat-ul-Fitr on every Muslim slave or free, male or female, young or old, and he ordered that it be paid before the people went out to offer the `Id prayer. (One Sa' = 3 Kilograms approx.)

    Ibn 'Umar () dit: «Le Messager d'Allah () prescrit l'obligation de la zakât d'alfîtr comme suit: un sa' de dattes ou d'orge pour tout musulman esclave, libre, mâle, femelle, jeune ou âgé. De plus, il ordonna de la faire avant que les gens ne sortent vers la prière [de la Fête].»

    ':'Telah menceritakan kepada kami Yahya bin Muhammad bin As-Sakkan telah menceritakan kepada kami Muhammad bin Jahdham telah menceritakan kepada kami Isma'il bin Ja'far dari 'Umar bin Nafi' dari bapaknya dari 'Abdullah bin 'Umar radliallahu 'anhua berkata: 'Rasulullah shallallahu 'alaihi wasallam mewajibkan zakat fithri satu sha' dari kurma atau sha' dari gandum bagi setiap hamba sahaya (budak) maupun yang merdeka laki-laki maupun perempuan kecil maupun besar dari kaum Muslimin. Dan Beliau memerintahkan agar menunaikannya sebelum orang-orang berangkat untuk shalat ('Ied) '.'

    • ( صاعا ) الصاع : مكيال المدينة تقدر به الحبوب وسعته أربعة أمداد ، والمد هو ما يملأ الكفين.

    عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين.

    المعنى العام

    إن الله الذي أعطى جعل عطاءه سبباً في تراحم البشرية وترابطها وتآلفها وانعطاف بعضها على بعض، كما جعله سبباً في الأجر والثواب ونعيم الآخرة.

    وقد عنى الإسلام بالفقراء أكثر من عنايته بالأغنياء، ونشر عليهم مظلة الرعاية بزكاة الأموال، نشر عليهم مظلة الرعاية في الأعياد، وفي الولائم والمناسبات، وفي سائر الأيام بالصدقات.

    وشاءت الحكمة الإلهية أن تكون المظلة واجبة على القادرين في بعض الأحيان، ومندوبة ومستحبة على سبيل التطوع في البعض الآخر، ليصل الحق إلى الفقير عن طريق النفوس الشحيحة مرغمة ملزمة، مستجيبة لأمر ربها فتثاب رغم أنفها، وعن طريق نفوس سخية كريمة، فرحة بالإعطاء سعيدة بيدها العليا شاكرة فضل ربها، فيضاعف أجرها أضعافاً كثيرة، ويزاد في نعمائها لتزيد من عطائها.

    إن فقر الفقير ليس لهوانه على الله، وإن غنى الغني ليس علامة على رضى الله عنه، وإنما الكل امتحان واختبار، الفقر اختبار، والغنى اختبار، صبر الفقير هو المطلوب، وشكر الغني هو المقصود، ليقول الفقير: اللهم لك الحمد في السراء والضراء. وليقول الغني: {{ هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم }}[النمل: 40].

    وصدقة الفطر تختلف عن الزكاة المالية في تكليفها وغايتها، فهي قليلة المقدار، صاع من تمر أو حب عن كل فرد في العام، أربع حفنات من طعام، ما أخفها وما أعظم ثوابها، وهي واجبة على جميع المسلمين، وليست على الأغنياء منهم أو المكلفين، فهي واجبة على كل حر وعبد، عن كل ذكر وأنثى، عن كل صغير وكبير، من كان مكلفاً أخرج بنفسه وعن نفسه، ومن كان غير مكلف أخرج عنه وليه، وهي واجبة على كل من يملك قوته يوم العيد وليلته. وهل هناك من لا يملك قوت يومه؟ إن الفقراء يملكون قوت أيام بل شهور، إذن هي واجبة على الفقراء؟ وماذا في ذلك؟ ماذا في أن يأخذ الفقير الزكاة ويعطي الزكاة؟.

    ألم يقل الشاعر وهو يزهو ويفخر بمكارم خلاله:

    يجود علينا الخيرون بمالهم
    ونحن بمال الخيرين نجود

    أليس في ذلك انعطاف كل مسلم على أخيه المسلم؟ أليس في ذلك وضع اليد في اليد وتماسك أيدي المسلمين؟ أليس هذا هو التعاون الكامل الذي تحكم به الإنسانية؟ إنها صدقة الفطر، إنها طهرة الصائم، إنها زكاة الفلاح، وصدق الله العظيم حيث يقول: {{ قد أفلح من تزكى* وذكر اسم ربه فصلى }}[الأعلى: 14، 15].

    لقد حرص الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- على هذه الزكاة كل الحرص، بل حرصوا على مقاديرها بكل دقة، وقد رأى معاوية أن حفنتين من قمح جيد لم يكن موفوراً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، رأى أنهما تعدلان أربع حفنات من شعير أو تمر فأفتى بذلك وهو خليفة، فعارضه أبو سعيد الخدري، وأصر على المساواة في الكيل وإن غلا الصنف، وقال قولته: هذا تقدير معاوية، أما أنا فسأظل أخرج صاعاً كاملاً أبداً ما حييت. رضي الله عنهم أجمعين، ورضى عنا معهم وهو أكرم الأكرمين.

    المباحث العربية

    (فرض زكاة الفطر من رمضان) الفرض القطع والتقدير، أي قطع وقدر زكاة الفطر صاعاً إلخ....على سبيل الإلزام والإيجاب فهي فرض، أو على سبيل الندب فهي سنة، وسيأتي الخلاف فيها في فقه الحديث، وواضح من التعبير أن تشريعها بالسنة لا بالقرآن.

    والجار والمجرور من رمضان متعلق بالفطر، وحين يقال: أفطر من رمضان يصدق على الإفطار المعتاد في أيام الشهر عند غروب شمس آخر يوم، ويصدق على الفطر الذي تختلف به أيام رمضان عن يوم العيد فيكون بطلوع فجر يوم العيد، لهذين الاحتمالين اختلف العلماء في وقت وجوب الزكاة.

    وقال ابن دقيق العيد: الاستدلال بذلك لهذا الحكم ضعيف، لأن الإضافة إلى الفطر لا تدل على وقت الوجوب، بل تقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان، وأما وقت الوجوب فيطلب من دليل آخر.

    (على الناس) عام مخصوص بالمسلمين، إذ هم المكلفون بفروع الشريعة على الأصح.

    (صاعاً من تمر) انتصب صاعاً على التمييز أو على أنه مفعول ثان لفرض، والصاع أربعة أمداد، والمد ملء كفى الرجل المعتدل، أي حفنة رجل متوسط الجسم والصاع المقدر هو الصاع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وقدره بعض العلماء بقدح وثلث بالكيل المصري، وجمهور العلماء على أن الاعتماد على الكيل هنا لا على الوزن، لأن الحبوب، بل النوع الواحد من الحبوب كالقمح مثلاً منه الثقيل ومنه الخفيف.

    والذين قدروه بالوزن اختلفوا، فمنهم من قدره بخمسة أرطال، ومنهم من قدره بستة، ومنهم من قدره بخمسة أرطال وثلث رطل، وقدره الحنفية بثمانية أرطال.

    (على كل حر أو عبد) ظاهر التعبير بـعلى يفيد أن على العبد زكاة نفسه، وبه قيل. وقيل: على بمعنى عن.

    (من المسلمين) إذا كانت على على ظاهرها فواضح، لأن المخاطبين بالفروع المسلمون كما سبق، وإن كانت بمعنى عن أفادت أن السيد لا يخرج عن عبده الكافر.

    (صدقة رمضان) الصدقة مأخوذة من الصدق، فكل معروف علامة على صدق الإيمان. وقال الماوردي: الصدقة زكاة، والزكاة صدقة، يفترق الاسم ويتفق المسمى. اهـ.

    والتحقيق أنهما مختلفان من حيث اللغة وليسا بمعنى واحد على التساوي في عرف الشرع واستعمالاته، فالزكاة هي القدر الواجب، والصدقة تعم الواجب والتطوع، فمن قبيل إطلاق الصدقة على الزكاة الواجبة قوله تعالى: {{ خذ من أموالهم صدقة }}[التوبة: 103] وقوله: {{ إنما الصدقات للفقراء... }}[التوبة: 60] وقوله صلى الله عليه وسلم: ليس فيما دون خمس أوسق صدقة. ومن قبيل إطلاق الصدقة على المعروف المتطوع به حديث: كل معروف صدقة، حتى اللقمة تضعها في في امرأتك فهي صدقة.

    (فعدل الناس به نصف صاع من بر) أي جعلوا نصف الصاع من البر عدلاً [بفتح العين] أي معادلاً ومماثلاً للصاع من غيره. والمراد من الناس هنا معاوية ومن تبعه، كما هو واضح من الرواية السابعة.

    (أمر بزكاة الفطر صاع من تمر أو صاع من شعير) صاع بالجر بدلاً من بزكاة الفطر.

    (صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير....) ظاهره يقتضي المغايرة بين الطعام وبين ما ذكر بعده، قال العلماء: إن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فصله، فهو من قبيل عطف الخاص على العام، ففي البخاري عن أبي سعيد: كنا نخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر صاعاً من طعام. قال أبو سعيد وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر.

    (أو صاعاً من أقط) بفتح الهمزة وكسر القاف -اللبن المتجمد الذي لم ينزع زبده.

    (حتى قدم علينا معاوية) زاد ابن خزيمة: وهو يومئذ خليفة.

    (سمراء الشام) المراد بها الحنطة، وأضيفت إلى الشام لكثرتها هناك، ولم يكن بالمدينة منها في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير.

    (أما أنا فلا أزال أخرجه) أي أخرج الصاع، لا نصف الصاع.

    (ما عشت) ما ظرفية دوامية، أي مدة حياتي.

    (قبل خروج الناس إلى الصلاة) ال في الصلاة للعهد، والمراد صلاة العيد.

    فقه الحديث

    نجمل نقاط الأحاديث في خمس:

    1- حكم زكاة الفطر وحكمة مشروعيتها.

    2- على من تجب.

    3- الأنواع التي تخرج منها والقدر الواجب.

    4- وقت وجوبها.

    5- ما يؤخذ من الأحاديث.

    1- أما حكمها فجمهور العلماء من السلف والخلف على أنها فرض واجب، حتى حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك، لكن في نقله الإجماع هنا نظر للخلاف الذي سيأتي.

    والدليل على وجوبها التعبير في الأحاديث الصحيحة بلفظ فرض فهو وإن كان في أصل اللغة بمعنى قدر لكن الشرع نقله إلى الوجوب فالحمل عليه أولى.

    والتعبير في بعض الروايات بلفظ: أمر كما في روايتنا العاشرة والحادية عشرة، وهو لفظ يستعمل في الواجب غالباً.

    والتعبير بلفظ على في قوله على كل حر أو عبد، فهو ظاهر في الوجوب.

    وتسميتها زكاة، كما هو الحال في رواياتنا كلها فيما عدا الثالثة، فتسميتها زكاة يدخلها في عموم قوله تعالى: {{ وآتوا الزكاة }}[النور: 56] ويكون شأنها شأن أنواع الزكاة الواجبة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفصل أحكامها، كزكاة الإبل والبقر والغنم وعروض التجارة والنقدين إلخ.

    واستدل بعضهم على وجوبها بقوله تعالى: {{ قد أفلح من تزكى }}[الأعلى: 14] قال: ثبت أنها نزلت في زكاة الفطر، وثبت في الصحيحين إثبات حقيقة الفلاح لمن اقتصر على الواجبات.

    واعترض عليه بأن تتمة الآية {{ وذكر اسم ربه فصلى }}[الأعلى: 15] فيلزم وجوب صلاة العيد، وأجيب بأن خروج صلاة العيد عن الوجوب إنما كان بدليل عموم قوله صلى الله عليه وسلم: هن خمس، لا يبدل القول لدي.

    ونقل المالكية عن أشهب أنها سنة مؤكدة، وهو قول بعض أهل الظاهر وابن اللبان من الشافعية. لتسميتها صدقة في بعض الروايات، وهو دليل أوهى من خيط العنكبوت.

    وذهب إبراهيم بن علية وأبو بكر بن كيسان بن الأصم إلى أنها كانت واجبة ثم نسخ وجوبها، واستدل لهما بما روى النسائي وغيره عن قيس بن سعد بن عبادة قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله.

    قال الحافظ ابن حجر: وتعقب بأن في إسناده راوياً مجهولاً. وعلى تقدير الصحة فلا دليل فيه على النسخ، لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول، لأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر.

    وقال أبو حنيفة: هي واجبة ليست فرضاً بناء على مذهبه في الفرق بين الواجب والفرض.

    قال النووي: والصواب أنها فرض واجب.

    وحكمة مشروعيتها -كما قال النووي- أن العبادات التي تطول ويشق التحرز منها من أمور تفوت كمالها، جعل الشارع فيها كفارة مالية بدل النقص، كالهدي في الحج والعمرة وكذا الفطرة لما يكون في الصوم من لغو وغيره.

    2- أما على من تجب فقد قال الحافظ ابن حجر: قوله: من المسلمين [كما في روايتنا الأولى] مقتضاه أنها لا تجب على الكافر عن نفسه. وهو أمر متفق عليه.

    وهل يخرجها عن غيره كمستولدته المسلمة مثلاً؟ نقل ابن المنذر فيه الإجماع على عدم الوجوب، لكن فيه وجه للشافعية ورواية عن أحمد. اهـ.

    وقد اختلف الفقهاء في الصبي والعبد والزوجة والنصاب، وفرق بعضهم بين أهل البادية وغيرهم.

    أما الصبي: فظاهر أحاديث الباب أنها تجب عليه، ففي الرواية الثانية والخامسة صغير أو كبير فتجب على كل من استهل صارخاً قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان وأدرك حياً جزءاً من شوال.

    قال الحافظ ابن حجر: لكن المخاطب عنه وليه، فوجوبها على هذا في مال الصغير، وإلا فعلى من تلزمه نفقته. وهذا قول الجمهور. وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقاً، فإن لم يكن له أب فلا شيء عليه. وعن سعيد بن المسيب والحسن البصري: لا تجب إلا على من صام، واستدل لهما بحديث ابن عباس مرفوعاً: صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث. أخرجه أبو داود. قال النووي: وتعلق من يوجبها بأنها تطهير، والصبي ليس محتاجاً إلى التطهير لعدم الإثم. وأجاب الجمهور عن هذا بأن التعليل بالتطهير لغالب الناس، فإنها تجب على من لا ذنب له، كصالح محقق الصلاح؛ وككافر أسلم قبل غروب الشمس بلحظة، فإنها تجب عليه مع عدم الإثم.

    ونقل ابن المنذر الإجماع على أنها لا تجب عن الجنين. قال: وكان أحمد يستحبه ولا يوجبه، ونقل بعض الحنابلة رواية عنه بالإيجاب، وبه قال ابن حزم لكن قيده بمائة وعشرين يوماً من يوم حمل أمه به، وتعقب بأن الحمل غير محقق وبأنه لا يسمى صغيراً عرفاً ولا لغة.

    أما العبد فصريح أحاديث الباب أنها تجب عليه أو عنه، فلفظ الرواية الأولى على كل حر أو عبد ولفظ الرواية الثانية على كل عبد أو حر ولفظ الرواية الثالثة حر ومملوك وظاهرها إخراج العبد عن نفسه. ولم يقل به إلا داود فقال: يجب على السيد أن يمكن العبد من الاكتساب لزكاة الفطر، كما يجب عليه أن يمكنه من الصلاة. وخالفه أصحابه والعلماء، واحتجوا بحديث مسلم الذي مر في باب النصاب ومقدار الزكاة في الرواية السابعة ولفظها: ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة. وفي الرواية الثامنة ولفظها: ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر. فهما صريحتان في أن الصدقة على السيد. وذهب بعض الشافعية أنها تجب ابتداء على العبد ثم يتحملها السيد. وهو قول حسن يجمع بين الروايات.

    أما العبد الكافر فظاهر إطلاق حر أو عبد أن المسلم والكافر سواء وعلى السيد المسلم زكاتهما.

    فقوله في الرواية الأولى: من المسلمين صفة للمخرجين، لا للمخرج عنهم، وقد روي أن ابن عمر كان يخرج عن أهل بيته حرهم وعبدهم، صغيرهم وكبيرهم، مسلمهم وكافرهم من الرقيق، وابن عمر هو راوي حديث: من المسلمين وهو أعرف الناس بمراد الحديث. بهذا قال عطاء والثوري والحنفية وإسحق، كما استدلوا بالعموم في حديث مسلم: ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر.

    والجمهور على أنه لا يجب على السيد المسلم زكاة عبده الكافر، وعموم العبد الذي استدلوا به يقضى عليه الخصوص بقوله: من المسلمين فهي صفة للمخرجين والمخرج عنهم، وأما إخراج ابن عمر عن عبيده الكافرين -إن صح- فيحمل على أنه كان يخرج عنهم تطوعاً ولا مانع منه.

    وهل تجب زكاة الفطر في عبيد التجارة؟ قال البخاري: قال الزهري في المملوكين للتجارة: يزكى في التجارة ويزكى في الفطر. وهذا هو قول الجمهور. وقال النخعي والثوري وأبو حنيفة: لا يلزم السيد زكاة الفطر عن عبيد التجارة، لأن عليه فيهم زكاة، ولا تجب في مال واحد زكاتان. والأول أصح وأولى، فزكاة التجارة من حيث هو مال، وزكاة الفطر من حيث هو نفس. والله أعلم.

    وأما الزوجة فظاهر قوله في أحاديث الباب: ذكر أو أنثى وجوبها على المرأة سواء أكان لها زوج أم لا، وهو حجة لأبي حنيفة والثوري وابن المنذر حيث قالوا بوجوب زكاة الفطر على الزوجة في نفسها، ويلزمها إخراجها من مالها.

    وعند مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحق تجب على زوجها تبعاً لنفقتها، واحتج الشافعي بحديث مرسل: أدوا صدقة الفطر عمن تمونون. أخرجه البيهقي، قال الحافظ ابن حجر: وهو منقطع، ولم يرتض مذهب الجمهور وألزمهم بأنهم اتفقوا على أن المسلم لا يخرج عن زوجته الكافرة مع أن نفقتها تلزمه، فلا يسلم قياس الفطرة على النفقة واتباعها لها.

    أما النصاب فظاهر إطلاق أحاديث الباب: على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى أنها تجب على الغني ولا تجب على الفقير بهذا قال أبو حنيفة. والغني على قاعدتهم هو من ملك نصاباً، فاشترطوا لوجوبها ملكية النصاب، قياساً على زكاة الأموال وأخذاً بحديث: لا صدقة إلا عن ظهر غنى. رواه البخاري. وأجاب الجمهور بأن زكاة الفطر زكاة أبدان، فلا تقاس على زكاة الأموال والعجب أن أبا حنيفة لا يشترط النصاب فيما تخرج الأرض، ثم يشترط النصاب هنا والمخرج ما تنبت الأرض، أما الحديث الذي استند عليه فهو خاص بزكاة الأموال، على أنه روي بلفظ: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى. كذا رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.

    وظاهر قوله: على الناس...على كل حر أو عبد.... إلخ. يدل على أنها تجب على أهل القرى والأمصار والبوادي والشعاب، وكل مسلم حيث كان وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وجماهير العلماء. وعن عطاء والزهري وربيعة والليث: أنها لا تجب إلا على أهل الأمصار والقرى، دون البوادي. ذكره النووي.

    3- وأما القدر الواجب عن كل فرد والأنواع التي تخرج منها، فنصوص أحاديث الباب صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير نص الرواية الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة. أما الرواية السادسة فزادت صاعاً من أقط أو صاعاً من زبيب ثم أضافت الروايات قضاء معاوية بنصف صاع من بر. أما التمر والشعير فلا خلاف في جواز إخراجهما، ولا خلاف في المقدار الواجب منهما وهو صاع عن كل فرد، وقد اقتصر عليهما ابن حزم فلا يجزئ عنده شيء غيرهما وهو رأي لا يؤخذ به.

    وأما الزبيب فقد منعه بعض المتأخرين، لكن الإجماع السابق عليهم -كما يقول النووي- يردهم.

    وأما البر فلا خلاف يعتد به على جوازه، والخلاف في القدر الواجب منه، وظاهر الرواية السابعة والثامنة والتاسعة أن نصف الصاع منه تقدير من معاوية عن طريق اجتهاده، ولعله لاحظ ارتفاع سعر الحنطة حينئذ بالنسبة إلى الأصناف الأخرى، وقد روي أن ابن عباس لما كان أمير البصرة أمرهم إخراج زكاة الفطر وبين لهم أنها صاع من تمر..إلى أن قال: أو نصف صاع من بر، فلما جاء علي، ورأى رخص الأسعار قال: اجعلوها صاعاً من كل.

    قال الحافظ ابن حجر: ويلزم على اعتبار القيمة آنذاك أن تعتبر القيمة في كل زمان فيختلف الحال ولا ينضبط، وربما لزم في بعض الأحيان إخراج آصع من حنطة، أما أبو سعيد فقد نظر إلى الكيل. اهـ.

    ففي روايتنا السابعة: قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبداً ما عشت. ولأبي داود: لا أخرج أبداً إلا صاعاً. وعند الدارقطني وابن خزيمة والحاكم: فقال له رجل: مدين من قمح. فقال: لا تلك قيمة معاوية، لا أقبلها ولا أعمل بها.

    قال النووي عن روايتنا السابعة: هذا الحديث هو الذي يعتمده أبو حنيفة وموافقوه في جواز نصف صاع حنطة، والجمهور يجيبون عنه بأنه قول صحابي؛ وقد خالفه أبو سعيد وغيره ممن هو أطول صحبة وأعلم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا اختلفت الصحابة لم يكن قول بعضهم بأولى من بعض فنرجع إلى دليل آخر، فنجد ظاهر الأحاديث والقياس متفقاً على اشتراط الصاع من الحنطة كغيرها، فوجب اعتماده، وقد صرح معاوية بأنه رأى رآه، لا أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان عند أحد من حاضري مجلسه مع كثرتهم في تلك اللحظة علم في موافقة معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم لذكره كما جرى لهم في غير هذه القصة.

    وأما الأقط فهو ثابت في أحاديث الباب في الروايتين السابعة والثامنة، وهو لا يجزئ عند أحمد، وحمل الحديث على أن من كان يخرجه كان قوته إذ ذاك، أولم يقدر على غيره. قال الحافظ ابن حجر: وظاهر الحديث يخالفه.

    وفي جواز إخراج الأقط خلاف عند الشافعية، فالماوردي يزعم أنه يختص بأهل البادية وأما الحاضرة فلا يجزئ عنهم، وتعقبه النووي في شرح المهذب وقال: ينبغي أن يقطع بجوازه لصحة الحديث فيه من غير معارض.

    وظاهر مذهب أحمد: أنه لا يجوز العدول عن هذه الأصناف الخمسة المنصوص عليها مع قدرته عليها. ويجوز عند أبي حنيفة وأحمد إخراج الدقيق والسويق.

    أما الشافعية والمالكية فلا يلتزمون هذه الأصناف، بل يرون جواز إخراج الفطرة من كل ما هو قوت للناس، ويرى الشافعية أن كل ما يجب فيه العشر من الحبوب والثمار هو ما يقتات به في حال الاختيار، وهو صالح لإخراج الفطرة، وعلى المسلم أن يخرج الفطرة من غالب قوت البلد.

    أما القيمة فهي غير جائزة عند مالك والشافعي وأحمد، لأنها خلاف ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقيمة في معاملات الناس لا تجوز إلا بتراض بين الطرفين. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز إخراج القيمة.

    وفي هذا العصر يعتبر مذهب أبي حنيفة أجدى وأنفع للفقير وأيسر وأضبط لمخرج الزكاة. والله أعلم.

    4- وأما وقت وجوبها فإن الرواية العاشرة والحادية عشرة تصرحان بالأمر بإخراجها قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، ولفظ قبل يمنع التأخير، ولا يحدد بداية الوجوب أو بداية الجواز، وإن كان يوصي بالقرب لا بالبعد عن الوقت المذكور، ولكن متى تجب؟ ومتى يجوز إخراجها؟ وما حكم تأخيرها عن صلاة العيد؟.

    أما وقت الوجوب فقال الشافعي وأحمد وإسحق ومالك في رواية عنه: تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان. وقال أبو حنيفة ومالك في رواية عنه: تجب بطلوع الفجر من يوم العيد. ومعنى ذلك أنهم اتفقوا على أن من مات قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان لا زكاة عليه، ومن ولد قبل غروب شمس آخر يوم ولو بلحظة فعليه زكاة الفطر، أما من ولد بعد المغرب وقبل فجر يوم العيد فلا زكاة عليه عند الجمهور، وعليه الزكاة عند أبي حنيفة، ومن مات بعد المغرب وقبل فجر يوم العيد فعليه الزكاة عند الجمهور، ولا زكاة عليه عند أبي حنيفة.

    وأما وقت جواز إخراجها فقال أبو حنيفة: يجوز تعجيلها من أول الحول لأنها زكاة، فأشبهت زكاة الأموال.

    وقال الشافعي: يجوز إخراجها من أول شهر رمضان لأنها مبنية على الصوم وعلى الفطر منه، فإذا وجد أحد السببين جاز إخراجها، كزكاة المال بعد ملك النصاب، ولكن الأفضل أو المستحب إخراجها بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان وقبل صلاة العيد. وأخرج مالك في الموطأ والشافعي عن نافع: أن عمر كان يبعث بزكاة الفطر قبل الفطر بيومين أو ثلاثة. قال الشافعي: هذا حسن. وأنا أستحبه. اهـ.

    وقال بعض الحنابلة: يجوز إخراجها من بعد نصف شهر رمضان.

    ومذهب أحمد وهو المعتمد عند المالكية أنه لا يجوز إخراجها قبل العيد بأكثر من يومين، لما رواه البخاري عن ابن عمر قال: كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين.

    ومنع ابن حزم تعجيلها قبل فجر يوم الفطر.

    ومعنى عدم جواز إخراجها قبل عام أو قبل رمضان أو قبل منتصفه أو قبل فجر يوم العيد أنها لو وقعت ودفعت لا تقع موقع القبول ولا موقع الواجب.

    وأما تأخير أدائها عن صلاة العيد فجمهور الفقهاء على كراهته ما لم تؤخر عن يوم العيد، أما تأخيرها عن يوم العيد فهو حرام يأثم فاعله، كما في إخراج الصلاة عن وقتها، لكن هل تقع الزكاة موقع الفرض مع الإثم كتأخير الصلاة؟ أو لا تقع موقع الفرض؟ وما دفع يعتبر صدقة؟ وتبقى ديناً في ذمة صاحبها للمستحقين؟ خلاف بين العلماء. الراجح الأول.

    ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم:

    1- من الرواية السابعة أن قول الصحابي: كنا نفعل كذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أو إذا كان فينا -حديث له حكم المرفوع، إذ فيه إشعار بإطلاعه صلى الله عليه وسلم على ذلك، وتقرير له، ولا سيما في هذه الصورة التي كانت توضع عنده، وتجمع بأمره، وهو الآمر بقبضها وتفرقتها. ذكره الحافظ ابن حجر.

    2- ما كان عليه أبو سعيد رضي الله عنه من شدة الاتباع والتمسك بالآثار، وترك العدول إلى الاجتهاد مع وجود النص.

    3- ومن صنيع معاوية وموافقة الناس له دلالة على جواز الاجتهاد، قال الحافظ ابن حجر: وهو محمود، لكنه مع وجود النص فاسد الاعتبار.

    والله أعلم

    عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين.

    المعنى العام

    إن الله الذي أعطى جعل عطاءه سبباً في تراحم البشرية وترابطها وتآلفها وانعطاف بعضها على بعض، كما جعله سبباً في الأجر والثواب ونعيم الآخرة.

    وقد عنى الإسلام بالفقراء أكثر من عنايته بالأغنياء، ونشر عليهم مظلة الرعاية بزكاة الأموال، نشر عليهم مظلة الرعاية في الأعياد، وفي الولائم والمناسبات، وفي سائر الأيام بالصدقات.

    وشاءت الحكمة الإلهية أن تكون المظلة واجبة على القادرين في بعض الأحيان، ومندوبة ومستحبة على سبيل التطوع في البعض الآخر، ليصل الحق إلى الفقير عن طريق النفوس الشحيحة مرغمة ملزمة، مستجيبة لأمر ربها فتثاب رغم أنفها، وعن طريق نفوس سخية كريمة، فرحة بالإعطاء سعيدة بيدها العليا شاكرة فضل ربها، فيضاعف أجرها أضعافاً كثيرة، ويزاد في نعمائها لتزيد من عطائها.

    إن فقر الفقير ليس لهوانه على الله، وإن غنى الغني ليس علامة على رضى الله عنه، وإنما الكل امتحان واختبار، الفقر اختبار، والغنى اختبار، صبر الفقير هو المطلوب، وشكر الغني هو المقصود، ليقول الفقير: اللهم لك الحمد في السراء والضراء. وليقول الغني: {{ هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم }}[النمل: 40].

    وصدقة الفطر تختلف عن الزكاة المالية في تكليفها وغايتها، فهي قليلة المقدار، صاع من تمر أو حب عن كل فرد في العام، أربع حفنات من طعام، ما أخفها وما أعظم ثوابها، وهي واجبة على جميع المسلمين، وليست على الأغنياء منهم أو المكلفين، فهي واجبة على كل حر وعبد، عن كل ذكر وأنثى، عن كل صغير وكبير، من كان مكلفاً أخرج بنفسه وعن نفسه، ومن كان غير مكلف أخرج عنه وليه، وهي واجبة على كل من يملك قوته يوم العيد وليلته. وهل هناك من لا يملك قوت يومه؟ إن الفقراء يملكون قوت أيام بل شهور، إذن هي واجبة على الفقراء؟ وماذا في ذلك؟ ماذا في أن يأخذ الفقير الزكاة ويعطي الزكاة؟.

    ألم يقل الشاعر وهو يزهو ويفخر بمكارم خلاله:

    يجود علينا الخيرون بمالهم
    ونحن بمال الخيرين نجود

    أليس في ذلك انعطاف كل مسلم على أخيه المسلم؟ أليس في ذلك وضع اليد في اليد وتماسك أيدي المسلمين؟ أليس هذا هو التعاون الكامل الذي تحكم به الإنسانية؟ إنها صدقة الفطر، إنها طهرة الصائم، إنها زكاة الفلاح، وصدق الله العظيم حيث يقول: {{ قد أفلح من تزكى* وذكر اسم ربه فصلى }}[الأعلى: 14، 15].

    لقد حرص الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- على هذه الزكاة كل الحرص، بل حرصوا على مقاديرها بكل دقة، وقد رأى معاوية أن حفنتين من قمح جيد لم يكن موفوراً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، رأى أنهما تعدلان أربع حفنات من شعير أو تمر فأفتى بذلك وهو خليفة، فعارضه أبو سعيد الخدري، وأصر على المساواة في الكيل وإن غلا الصنف، وقال قولته: هذا تقدير معاوية، أما أنا فسأظل أخرج صاعاً كاملاً أبداً ما حييت. رضي الله عنهم أجمعين، ورضى عنا معهم وهو أكرم الأكرمين.

    المباحث العربية

    (فرض زكاة الفطر من رمضان) الفرض القطع والتقدير، أي قطع وقدر زكاة الفطر صاعاً إلخ....على سبيل الإلزام والإيجاب فهي فرض، أو على سبيل الندب فهي سنة، وسيأتي الخلاف فيها في فقه الحديث، وواضح من التعبير أن تشريعها بالسنة لا بالقرآن.

    والجار والمجرور من رمضان متعلق بالفطر، وحين يقال: أفطر من رمضان يصدق على الإفطار المعتاد في أيام الشهر عند غروب شمس آخر يوم، ويصدق على الفطر الذي تختلف به أيام رمضان عن يوم العيد فيكون بطلوع فجر يوم العيد، لهذين الاحتمالين اختلف العلماء في وقت وجوب الزكاة.

    وقال ابن دقيق العيد: الاستدلال بذلك لهذا الحكم ضعيف، لأن الإضافة إلى الفطر لا تدل على وقت الوجوب، بل تقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان، وأما وقت الوجوب فيطلب من دليل آخر.

    (على الناس) عام مخصوص بالمسلمين، إذ هم المكلفون بفروع الشريعة على الأصح.

    (صاعاً من تمر) انتصب صاعاً على التمييز أو على أنه مفعول ثان لفرض، والصاع أربعة أمداد، والمد ملء كفى الرجل المعتدل، أي حفنة رجل متوسط الجسم والصاع المقدر هو الصاع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وقدره بعض العلماء بقدح وثلث بالكيل المصري، وجمهور العلماء على أن الاعتماد على الكيل هنا لا على الوزن، لأن الحبوب، بل النوع الواحد من الحبوب كالقمح مثلاً منه الثقيل ومنه الخفيف.

    والذين قدروه بالوزن اختلفوا، فمنهم من قدره بخمسة أرطال، ومنهم من قدره بستة، ومنهم من قدره بخمسة أرطال وثلث رطل، وقدره الحنفية بثمانية أرطال.

    (على كل حر أو عبد) ظاهر التعبير بـعلى يفيد أن على العبد زكاة نفسه، وبه قيل. وقيل: على بمعنى عن.

    (من المسلمين) إذا كانت على على ظاهرها فواضح، لأن المخاطبين بالفروع المسلمون كما سبق، وإن كانت بمعنى عن أفادت أن السيد لا يخرج عن عبده الكافر.

    (صدقة رمضان) الصدقة مأخوذة من الصدق، فكل معروف علامة على صدق الإيمان. وقال الماوردي: الصدقة زكاة، والزكاة صدقة، يفترق الاسم ويتفق المسمى. اهـ.

    والتحقيق أنهما مختلفان من حيث اللغة وليسا بمعنى واحد على التساوي في عرف الشرع واستعمالاته، فالزكاة هي القدر الواجب، والصدقة تعم الواجب والتطوع، فمن قبيل إطلاق الصدقة على الزكاة الواجبة قوله تعالى: {{ خذ من أموالهم صدقة }}[التوبة: 103] وقوله: {{ إنما الصدقات للفقراء... }}[التوبة: 60] وقوله صلى الله عليه وسلم: ليس فيما دون خمس أوسق صدقة. ومن قبيل إطلاق الصدقة على المعروف المتطوع به حديث: كل معروف صدقة، حتى اللقمة تضعها في في امرأتك فهي صدقة.

    (فعدل الناس به نصف صاع من بر) أي جعلوا نصف الصاع من البر عدلاً [بفتح العين] أي معادلاً ومماثلاً للصاع من غيره. والمراد من الناس هنا معاوية ومن تبعه، كما هو واضح من الرواية السابعة.

    (أمر بزكاة الفطر صاع من تمر أو صاع من شعير) صاع بالجر بدلاً من بزكاة الفطر.

    (صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير....) ظاهره يقتضي المغايرة بين الطعام وبين ما ذكر بعده، قال العلماء: إن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فصله، فهو من قبيل عطف الخاص على العام، ففي البخاري عن أبي سعيد: كنا نخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر صاعاً من طعام. قال أبو سعيد وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر.

    (أو صاعاً من أقط) بفتح الهمزة وكسر القاف -اللبن المتجمد الذي لم ينزع زبده.

    (حتى قدم علينا معاوية) زاد ابن خزيمة: وهو يومئذ خليفة.

    (سمراء الشام) المراد بها الحنطة، وأضيفت إلى الشام لكثرتها هناك، ولم يكن بالمدينة منها في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير.

    (أما أنا فلا أزال أخرجه) أي أخرج الصاع، لا نصف الصاع.

    (ما عشت) ما ظرفية دوامية، أي مدة حياتي.

    (قبل خروج الناس إلى الصلاة) ال في الصلاة للعهد، والمراد صلاة العيد.

    فقه الحديث

    نجمل نقاط الأحاديث في خمس:

    1- حكم زكاة الفطر وحكمة مشروعيتها.

    2- على من تجب.

    3- الأنواع التي تخرج منها والقدر الواجب.

    4- وقت وجوبها.

    5- ما يؤخذ من الأحاديث.

    1- أما حكمها فجمهور العلماء من السلف والخلف على أنها فرض واجب، حتى حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك، لكن في نقله الإجماع هنا نظر للخلاف الذي سيأتي.

    والدليل على وجوبها التعبير في الأحاديث الصحيحة بلفظ فرض فهو وإن كان في أصل اللغة بمعنى قدر لكن الشرع نقله إلى الوجوب فالحمل عليه أولى.

    والتعبير في بعض الروايات بلفظ: أمر كما في روايتنا العاشرة والحادية عشرة، وهو لفظ يستعمل في الواجب غالباً.

    والتعبير بلفظ على في قوله على كل حر أو عبد، فهو ظاهر في الوجوب.

    وتسميتها زكاة، كما هو الحال في رواياتنا كلها فيما عدا الثالثة، فتسميتها زكاة يدخلها في عموم قوله تعالى: {{ وآتوا الزكاة }}[النور: 56] ويكون شأنها شأن أنواع الزكاة الواجبة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفصل أحكامها، كزكاة الإبل والبقر والغنم وعروض التجارة والنقدين إلخ.

    واستدل بعضهم على وجوبها بقوله تعالى: {{ قد أفلح من تزكى }}[الأعلى: 14] قال: ثبت أنها نزلت في زكاة الفطر، وثبت في الصحيحين إثبات حقيقة الفلاح لمن اقتصر على الواجبات.

    واعترض عليه بأن تتمة الآية {{ وذكر اسم ربه فصلى }}[الأعلى: 15] فيلزم وجوب صلاة العيد، وأجيب بأن خروج صلاة العيد عن الوجوب إنما كان بدليل عموم قوله صلى الله عليه وسلم: هن خمس، لا يبدل القول لدي.

    ونقل المالكية عن أشهب أنها سنة مؤكدة، وهو قول بعض أهل الظاهر وابن اللبان من الشافعية. لتسميتها صدقة في بعض الروايات، وهو دليل أوهى من خيط العنكبوت.

    وذهب إبراهيم بن علية وأبو بكر بن كيسان بن الأصم إلى أنها كانت واجبة ثم نسخ وجوبها، واستدل لهما بما روى النسائي وغيره عن قيس بن سعد بن عبادة قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله.

    قال الحافظ ابن حجر: وتعقب بأن في إسناده راوياً مجهولاً. وعلى تقدير الصحة فلا دليل فيه على النسخ، لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول، لأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر.

    وقال أبو حنيفة: هي واجبة ليست فرضاً بناء على مذهبه في الفرق بين الواجب والفرض.

    قال النووي: والصواب أنها فرض واجب.

    وحكمة مشروعيتها -كما قال النووي- أن العبادات التي تطول ويشق التحرز منها من أمور تفوت كمالها، جعل الشارع فيها كفارة مالية بدل النقص، كالهدي في الحج والعمرة وكذا الفطرة لما يكون في الصوم من لغو وغيره.

    2- أما على من تجب فقد قال الحافظ ابن حجر: قوله: من المسلمين [كما في روايتنا الأولى] مقتضاه أنها لا تجب على الكافر عن نفسه. وهو أمر متفق عليه.

    وهل يخرجها عن غيره كمستولدته المسلمة مثلاً؟ نقل ابن المنذر فيه الإجماع على عدم الوجوب، لكن فيه وجه للشافعية ورواية عن أحمد. اهـ.

    وقد اختلف الفقهاء في الصبي والعبد والزوجة والنصاب، وفرق بعضهم بين أهل البادية وغيرهم.

    أما الصبي: فظاهر أحاديث الباب أنها تجب عليه، ففي الرواية الثانية والخامسة صغير أو كبير فتجب على كل من استهل صارخاً قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان وأدرك حياً جزءاً من شوال.

    قال الحافظ ابن حجر: لكن المخاطب عنه وليه، فوجوبها على هذا في مال الصغير، وإلا فعلى من تلزمه نفقته. وهذا قول الجمهور. وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقاً، فإن لم يكن له أب فلا شيء عليه. وعن سعيد بن المسيب والحسن البصري: لا تجب إلا على من صام، واستدل لهما بحديث ابن عباس مرفوعاً: صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث. أخرجه أبو داود. قال النووي: وتعلق من يوجبها بأنها تطهير، والصبي ليس محتاجاً إلى التطهير لعدم الإثم. وأجاب الجمهور عن هذا بأن التعليل بالتطهير لغالب الناس، فإنها تجب على من لا ذنب له، كصالح محقق الصلاح؛ وككافر أسلم قبل غروب الشمس بلحظة، فإنها تجب عليه مع عدم الإثم.

    ونقل ابن المنذر الإجماع على أنها لا تجب عن الجنين. قال: وكان أحمد يستحبه ولا يوجبه، ونقل بعض الحنابلة رواية عنه بالإيجاب، وبه قال ابن حزم لكن قيده بمائة وعشرين يوماً من يوم حمل أمه به، وتعقب بأن الحمل غير محقق وبأنه لا يسمى صغيراً عرفاً ولا لغة.

    أما العبد فصريح أحاديث الباب أنها تجب عليه أو عنه، فلفظ الرواية الأولى على كل حر أو عبد ولفظ الرواية الثانية على كل عبد أو حر ولفظ الرواية الثالثة حر ومملوك وظاهرها إخراج العبد عن نفسه. ولم يقل به إلا داود فقال: يجب على السيد أن يمكن العبد من الاكتساب لزكاة الفطر، كما يجب عليه أن يمكنه من الصلاة. وخالفه أصحابه والعلماء، واحتجوا بحديث مسلم الذي مر في باب النصاب ومقدار الزكاة في الرواية السابعة ولفظها: ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة. وفي الرواية الثامنة ولفظها: ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر. فهما صريحتان في أن الصدقة على السيد. وذهب بعض الشافعية أنها تجب ابتداء على العبد ثم يتحملها السيد. وهو قول حسن يجمع بين الروايات.

    أما العبد الكافر فظاهر إطلاق حر أو عبد أن المسلم والكافر سواء وعلى السيد المسلم زكاتهما.

    فقوله في الرواية الأولى: من المسلمين صفة للمخرجين، لا للمخرج عنهم، وقد روي أن ابن عمر كان يخرج عن أهل بيته حرهم وعبدهم، صغيرهم وكبيرهم، مسلمهم وكافرهم من الرقيق، وابن عمر هو راوي حديث: من المسلمين وهو أعرف الناس بمراد الحديث. بهذا قال عطاء والثوري والحنفية وإسحق، كما استدلوا بالعموم في حديث مسلم: ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر.

    والجمهور على أنه لا يجب على السيد المسلم زكاة عبده الكافر، وعموم العبد الذي استدلوا به يقضى عليه الخصوص بقوله: من المسلمين فهي صفة للمخرجين والمخرج عنهم، وأما إخراج ابن عمر عن عبيده الكافرين -إن صح- فيحمل على أنه كان يخرج عنهم تطوعاً ولا مانع منه.

    وهل تجب زكاة الفطر في عبيد التجارة؟ قال البخاري: قال الزهري في المملوكين للتجارة: يزكى في التجارة ويزكى في الفطر. وهذا هو قول الجمهور. وقال النخعي والثوري وأبو حنيفة: لا يلزم السيد زكاة الفطر عن عبيد التجارة، لأن عليه فيهم زكاة، ولا تجب في مال واحد زكاتان. والأول أصح وأولى، فزكاة التجارة من حيث هو مال، وزكاة الفطر من حيث هو نفس. والله أعلم.

    وأما الزوجة فظاهر قوله في أحاديث الباب: ذكر أو أنثى وجوبها على المرأة سواء أكان لها زوج أم لا، وهو حجة لأبي حنيفة والثوري وابن المنذر حيث قالوا بوجوب زكاة الفطر على الزوجة في نفسها، ويلزمها إخراجها من مالها.

    وعند مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحق تجب على زوجها تبعاً لنفقتها، واحتج الشافعي بحديث مرسل: أدوا صدقة الفطر عمن تمونون. أخرجه البيهقي، قال الحافظ ابن حجر: وهو منقطع، ولم يرتض مذهب الجمهور وألزمهم بأنهم اتفقوا على أن المسلم لا يخرج عن زوجته الكافرة مع أن نفقتها تلزمه، فلا يسلم قياس الفطرة على النفقة واتباعها لها.

    أما النصاب فظاهر إطلاق أحاديث الباب: على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى أنها تجب على الغني ولا تجب على الفقير بهذا قال أبو حنيفة. والغني على قاعدتهم هو من ملك نصاباً، فاشترطوا لوجوبها ملكية النصاب، قياساً على زكاة الأموال وأخذاً بحديث: لا صدقة إلا عن ظهر غنى. رواه البخاري. وأجاب الجمهور بأن زكاة الفطر زكاة أبدان، فلا تقاس على زكاة الأموال والعجب أن أبا حنيفة لا يشترط النصاب فيما تخرج الأرض، ثم يشترط النصاب هنا والمخرج ما تنبت الأرض، أما الحديث الذي استند عليه فهو خاص بزكاة الأموال، على أنه روي بلفظ: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى. كذا رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.

    وظاهر قوله: على الناس...على كل حر أو عبد.... إلخ. يدل على أنها تجب على أهل القرى والأمصار والبوادي والشعاب، وكل مسلم حيث كان وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وجماهير العلماء. وعن عطاء والزهري وربيعة والليث: أنها لا تجب إلا على أهل الأمصار والقرى، دون البوادي. ذكره النووي.

    3- وأما القدر الواجب عن كل فرد والأنواع التي تخرج منها، فنصوص أحاديث الباب صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير نص الرواية الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة. أما الرواية السادسة فزادت صاعاً من أقط أو صاعاً من زبيب ثم أضافت الروايات قضاء معاوية بنصف صاع من بر. أما التمر والشعير فلا خلاف في جواز إخراجهما، ولا خلاف في المقدار الواجب منهما وهو صاع عن كل فرد، وقد اقتصر عليهما ابن حزم فلا يجزئ عنده شيء غيرهما وهو رأي لا يؤخذ به.

    وأما الزبيب فقد منعه بعض المتأخرين، لكن الإجماع السابق عليهم -كما يقول النووي- يردهم.

    وأما البر فلا خلاف يعتد به على جوازه، والخلاف في القدر الواجب منه، وظاهر الرواية السابعة والثامنة والتاسعة أن نصف الصاع منه تقدير من معاوية عن طريق اجتهاده، ولعله لاحظ ارتفاع سعر الحنطة حينئذ بالنسبة إلى الأصناف الأخرى، وقد روي أن ابن عباس لما كان أمير البصرة أمرهم إخراج زكاة الفطر وبين لهم أنها صاع من تمر..إلى أن قال: أو نصف صاع من بر، فلما جاء علي، ورأى رخص الأسعار قال: اجعلوها صاعاً من كل.

    قال الحافظ ابن حجر: ويلزم على اعتبار القيمة آنذاك أن تعتبر القيمة في كل زمان فيختلف الحال ولا ينضبط، وربما لزم في بعض الأحيان إخراج آصع من حنطة، أما أبو سعيد فقد نظر إلى الكيل. اهـ.

    ففي روايتنا السابعة: قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبداً ما عشت. ولأبي داود: لا أخرج أبداً إلا صاعاً. وعند الدارقطني وابن خزيمة والحاكم: فقال له رجل: مدين من قمح. فقال: لا تلك قيمة معاوية، لا أقبلها ولا أعمل بها.

    قال النووي عن روايتنا السابعة: هذا الحديث هو الذي يعتمده أبو حنيفة وموافقوه في جواز نصف صاع حنطة، والجمهور يجيبون عنه بأنه قول صحابي؛ وقد خالفه أبو سعيد وغيره ممن هو أطول صحبة وأعلم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا اختلفت الصحابة لم يكن قول بعضهم بأولى من بعض فنرجع إلى دليل آخر، فنجد ظاهر الأحاديث والقياس متفقاً على اشتراط الصاع من الحنطة كغيرها، فوجب اعتماده، وقد صرح معاوية بأنه رأى رآه، لا أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان عند أحد من حاضري مجلسه مع كثرتهم في تلك اللحظة علم في موافقة معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم لذكره كما جرى لهم في غير هذه القصة.

    وأما الأقط فهو ثابت في أحاديث الباب في الروايتين السابعة والثامنة، وهو لا يجزئ عند أحمد، وحمل الحديث على أن من كان يخرجه كان قوته إذ ذاك، أولم يقدر على غيره. قال الحافظ ابن حجر: وظاهر الحديث يخالفه.

    وفي جواز إخراج الأقط خلاف عند الشافعية، فالماوردي يزعم أنه يختص بأهل البادية وأما الحاضرة فلا يجزئ عنهم، وتعقبه النووي في شرح المهذب وقال: ينبغي أن يقطع بجوازه لصحة الحديث فيه من غير معارض.

    وظاهر مذهب أحمد: أنه لا يجوز العدول عن هذه الأصناف الخمسة المنصوص عليها مع قدرته عليها. ويجوز عند أبي حنيفة وأحمد إخراج الدقيق والسويق.

    أما الشافعية والمالكية فلا يلتزمون هذه الأصناف، بل يرون جواز إخراج الفطرة من كل ما هو قوت للناس، ويرى الشافعية أن كل ما يجب فيه العشر من الحبوب والثمار هو ما يقتات به في حال الاختيار، وهو صالح لإخراج الفطرة، وعلى المسلم أن يخرج الفطرة من غالب قوت البلد.

    أما القيمة فهي غير جائزة عند مالك والشافعي وأحمد، لأنها خلاف ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقيمة في معاملات الناس لا تجوز إلا بتراض بين الطرفين. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز إخراج القيمة.

    وفي هذا العصر يعتبر مذهب أبي حنيفة أجدى وأنفع للفقير وأيسر وأضبط لمخرج الزكاة. والله أعلم.

    4- وأما وقت وجوبها فإن الرواية العاشرة والحادية عشرة تصرحان بالأمر بإخراجها قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، ولفظ قبل يمنع التأخير، ولا يحدد بداية الوجوب أو بداية الجواز، وإن كان يوصي بالقرب لا بالبعد عن الوقت المذكور، ولكن متى تجب؟ ومتى يجوز إخراجها؟ وما حكم تأخيرها عن صلاة العيد؟.

    أما وقت الوجوب فقال الشافعي وأحمد وإسحق ومالك في رواية عنه: تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان. وقال أبو حنيفة ومالك في رواية عنه: تجب بطلوع الفجر من يوم العيد. ومعنى ذلك أنهم اتفقوا على أن من مات قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان لا زكاة عليه، ومن ولد قبل غروب شمس آخر يوم ولو بلحظة فعليه زكاة الفطر، أما من ولد بعد المغرب وقبل فجر يوم العيد فلا زكاة عليه عند الجمهور، وعليه الزكاة عند أبي حنيفة، ومن مات بعد المغرب وقبل فجر يوم العيد فعليه الزكاة عند الجمهور، ولا زكاة عليه عند أبي حنيفة.

    وأما وقت جواز إخراجها فقال أبو حنيفة: يجوز تعجيلها من أول الحول لأنها زكاة، فأشبهت زكاة الأموال.

    وقال الشافعي: يجوز إخراجها من أول شهر رمضان لأنها مبنية على الصوم وعلى الفطر منه، فإذا وجد أحد السببين جاز إخراجها، كزكاة المال بعد ملك النصاب، ولكن الأفضل أو المستحب إخراجها بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان وقبل صلاة العيد. وأخرج مالك في الموطأ والشافعي عن نافع: أن عمر كان يبعث بزكاة الفطر قبل الفطر بيومين أو ثلاثة. قال الشافعي: هذا حسن. وأنا أستحبه. اهـ.

    وقال بعض الحنابلة: يجوز إخراجها من بعد نصف شهر رمضان.

    ومذهب أحمد وهو المعتمد عند المالكية أنه لا يجوز إخراجها قبل العيد بأكثر من يومين، لما رواه البخاري عن ابن عمر قال: كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين.

    ومنع ابن حزم تعجيلها قبل فجر يوم الفطر.

    ومعنى عدم جواز إخراجها قبل عام أو قبل رمضان أو قبل منتصفه أو قبل فجر يوم العيد أنها لو وقعت ودفعت لا تقع موقع القبول ولا موقع الواجب.

    وأما تأخير أدائها عن صلاة العيد فجمهور الفقهاء على كراهته ما لم تؤخر عن يوم العيد، أما تأخيرها عن يوم العيد فهو حرام يأثم فاعله، كما في إخراج الصلاة عن وقتها، لكن هل تقع الزكاة موقع الفرض مع الإثم كتأخير الصلاة؟ أو لا تقع موقع الفرض؟ وما دفع يعتبر صدقة؟ وتبقى ديناً في ذمة صاحبها للمستحقين؟ خلاف بين العلماء. الراجح الأول.

    ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم:

    1- من الرواية السابعة أن قول الصحابي: كنا نفعل كذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أو إذا كان فينا -حديث له حكم المرفوع، إذ فيه إشعار بإطلاعه صلى الله عليه وسلم على ذلك، وتقرير له، ولا سيما في هذه الصورة التي كانت توضع عنده، وتجمع بأمره، وهو الآمر بقبضها وتفرقتها. ذكره الحافظ ابن حجر.

    2- ما كان عليه أبو سعيد رضي الله عنه من شدة الاتباع والتمسك بالآثار، وترك العدول إلى الاجتهاد مع وجود النص.

    3- ومن صنيع معاوية وموافقة الناس له دلالة على جواز الاجتهاد، قال الحافظ ابن حجر: وهو محمود، لكنه مع وجود النص فاسد الاعتبار.

    والله أعلم

    رواة الحديث

    تعرف هنا على رواة هذا الحديث الشريف وسيرتهم وطبقاتهم ورتبة كل منهم