عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا "
    2712 حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ، أَنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا
    367

    أحاديث أخري متعلقة من كتاب كتاب الجهاد والسير

    مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ

    I heard the Prophet (ﷺ) saying, Indeed, anyone who fasts for one day for Allah's Pleasure, Allah will keep his face away from the (Hell) fire for (a distance covered by a journey of) seventy years.

    Abu Sa'îd alKhudry () dit: «J'ai entendu le Prophète  dire: Celui qui jeûne un jour dans le chemin d'Allah, Allah éloignera sa face du Feu [d'une distance] de soixantedix automnes... »

    ':'Telah bercerita kepada kami Ishaq bin Nashr telah bercerita kepada kami 'Abdur Rozzaq telah mengabarkan kepada kami Ibnu Juraij berkata telah bercerita kepadaku Yahya Sa'id dan Suhail bin Abi Shalih bahwa keduanya mendengar an Nu'man bin Abi 'Ayyasy dari Abu Sa'id Al Khudriy radliallahu 'anhu berkata; Aku mendengar Nabi shallallahu 'alaihi wasallam bersabda; 'Barang siapa yang shoum (berpuasa) satu hari di jalan Allah maka Allah akan menjauhkan wajahnya dari neraka sejauh tujuh puluh musim'.'

    • ( خريفا ) الخريف : الثمر المجتنى.

    (قَوْلُهُ بَابُ فَضْلِ الصَّوْمِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
    قَالَ بن الْجَوْزِيِّ إِذَا أُطْلِقَ ذِكْرُ سَبِيلِ اللَّهِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْجِهَادُ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ سَبِيلُ اللَّهِ طَاعَةُ اللَّهِ فَالْمُرَادُ مَنْ صَامَ قَاصِدًا وَجْهَ اللَّهِ قُلْتُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ وَجَدْتُهُ فِي فَوَائِدِ أَبِي الطَّاهِرِ الذُّهْلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ اللَّيْثِيِّ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ مَا مِنْ مُرَابِطٍ يُرَابِطُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الحَدِيث وَقَالَ بن دَقِيقِ الْعِيدِ الْعُرْفُ الْأَكْثَرُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْجِهَادِ فَإِنْ حُمِلَ عَلَيْهِ كَانَتِ الْفَضِيلَةُ لِاجْتِمَاعِ الْعِبَادَتَيْنِ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِسَبِيلِ اللَّهِ طَاعَتُهُ كَيْفَ كَانَتْ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ أَنَّ الْفِطْرَ فِي الْجِهَادِ أَوْلَى لِأَنَّ الصَّائِمَ يَضْعُفُ عَنِ اللِّقَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي بَابِ مَنِ اخْتَارَ الْغَزْوَ عَلَى الصَّوْمِ لِأَنَّ الْفَضْلَ الْمَذْكُورَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَخْشَ ضَعْفًا وَلَا سِيَّمَا مَنِ اعْتَادَ بِهِ فَصَارَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ فَمَنْ لَمْ يُضْعِفْهُ الصَّوْمُ عَنِ الْجِهَادِ فَالصَّوْمُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ

    [رقم الحديث عند عبدالباقي:2712 ... ورقمه عند البغا:2840] قَوْلُهُ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ لَمْ يُخْرِجْ لَهُ الْبُخَارِيِّ مَوْصُولًا إِلَّا هَذَا وَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِ لِأَنَّهُ قَرَنَهُ بِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ عَلَى سُهَيْلٍ فَرَوَاهُ الْأَكْثَرُ عَنْهُ هَكَذَا وَخَالَفَهُمْ شُعْبَةُ فَرَوَاهُ عَنْهُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَلَعَلَّ لِسُهَيْلٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ سُهَيْلٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَوَهِمَ فِيهِ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَإِنَّمَا يَرْوِيهِ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَإِنَّمَا رَوَاهُ سُهَيْلٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ لَا عَنِ الْمَقْبُرِيِّ كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ سُهَيْلٍ قَوْلُهُ سَبْعِينَ خَرِيفًا الْخَرِيفُ زَمَانٌ مَعْلُومٌ مِنَ السَّنَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْعَامُ وَتَخْصِيصُ الْخَرِيفِ بِالذِّكْرِ دُونَ بَقِيَّةِ الْفُصُولِ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ وَالرَّبِيعِ لِأَنَّ الْخَرِيفَ أَزْكَى الْفُصُولِ لِكَوْنِهِ يُجْنَى فِيهِ الثِّمَارُ وَنَقَلَ الْفَاكِهَانِيُّ أَنَّ الْخَرِيفَ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْحَرَارَةُ وَالْبُرُودَةُ وَالرُّطُوبَةُ وَالْيُبُوسَةُ دُونَ غَيْرِهِ وَرُدَّ بِأَنَّ الرَّبِيعَ كَذَلِكَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَرَدَ ذِكْرُ السَّبْعِينَ لِإِرَادَةِ التَّكْثِيرِ كَثِيرًا انْتَهَى وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَالطَّبَرَانِيّ عَن عَمْرو بن عَنْبَسَة وَأَبُو يَعْلَى عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ فَقَالُوا جَمِيعًا فِي رواياتهم مائَة عَام

    باب فَضْلِ الصَّوْمِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
    (باب فضل الصوم) في الجهاد (في سبيل الله) أو المراد ابتغاء وجه الله لئلا يعارض أولوية
    الفطر في الجهاد عن الصوم لأنه يضعف عن اللقاء، لكن يؤيد الأول ما في حديث أبي هريرة المروي في فوائد أبي الطاهر الذهلي ما من مرابط يرابط في سبيل الله فيصوم يومًا في سبيل الله الحديث.
    وحينئذ فالأولوية المذكورة محمولة على من يضعفه الصوم عن الجهاد، أما من لم يضعفه فالصوم في حقه أفضل لأنه يجمع بين الفضيلتين.

    [ رقم الحديث عند عبدالباقي:2712 ... ورقمه عند البغا: 2840 ]
    - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ -رضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».
    وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن نصر) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر فنسبه إلى جده ويعرف بالسعدي لأنه نزل بباب بني سعد قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرنا) بالإفراد (يحيى بن سعيد) الأنصاري (وسهيل بن أبي صالح أنهما سمعا النعمان بن أبي عياش) بتشديد التحتية وبعد الألف شين معجمة واسمه زيد بن الصلت وقيل زيد بن النعمان الزرقي الأنصاري (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) بالدال المهملة (-رضي الله عنه-) أنه (قال: سمعت رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول):
    (من صام يومًا في سبيل الله) عز وجل (بعّد الله) بتشديد العين (وجهه) أي ذاته كلها (عن النار سبعين خريفًا) أي سنة.
    وعند أبي يعلى من طريق زياد بن فائد عن معاذ بن أنس: بعّد من النار مائة عام سير المضمر الجواد.
    وعند الطبراني في الصغير والأوسط بإسناد حسن عن أبي الدرداء: "جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض". وفي كامل ابن عدي عن أنس تباعدت منه جهنم خمسمائة عام قيل ظاهرها التعارض.
    وأجيب: بالاعتماد على رواية سبعين للاتفاق عليها في الصحيح أولى أو أن الله أعلم نبيه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالأدنى ثم ما بعده على التدريج أو أن ذلك بحسب اختلاف أحوال الصائمين في كمال الصوم ونقصانه.

    (بابُُ فَضْلِ الصَّوْمِ فِي سَبِيلِ الله)

    أَي: هَذَا بابُُ فِي بَيَان فضل الصَّوْم فِي سَبِيل الله، أَي: الْجِهَاد، وَقَالَ القررطبي: سَبِيل الله: طَاعَة الله، وَالْمرَاد بِهِ: الصَّوْم مبتغياً وَجه الله.
    [ رقم الحديث عند عبدالباقي:2712 ... ورقمه عند البغا:2840 ]
    - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْر قَالَ حدَّثنا عبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أخبرَنِي يَحْيى بنُ سَعِيدٍ وسُهَيْلُ بنُ أبي صَالِحٍ أنَّهُما سَمِعَا النُّعْمَانَ بنَ أبِي عَيَّاشٍ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ مَنْ صَامَ يَوْمَاً فِي سَبيلِ الله بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عنِ النَّارِ سَبْعينَ خَرِيفاً.
    مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِسْحَاق بن نصر هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر السَّعْدِيّ النجاري، وَكَانَ ينزل بِالْمَدِينَةِ بِبابُُ بني سعد، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع من كِتَابه، مرّة يَقُول: إِسْحَاق بن نصر، فينسبه إِلَى جده، وَمرَّة يَقُول: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر، فينسبه إِلَى أَبِيه، وَعبد الرَّزَّاق بن همام، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَسُهيْل بن أبي صَالح لم يخرج لَهُ البُخَارِيّ مَوْصُولا إلاَّ هَذَا، وَلم يحْتَج بِهِ، وَلِهَذَا قرنه بِيَحْيَى بن سعيد، وَقد اخْتلف فِي إِسْنَاده على سُهَيْل، فَرَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ عَنهُ هَكَذَا، وَخَالفهُم شُعْبَة فَرَوَاهُ: عَنهُ عَن صَفْوَان بن يزِيد عَن أبي سعيد. أخرجه النَّسَائِيّ والنعمان بن أبي عَيَّاش، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة: واسْمه زيد بن الصَّلْت، وَقيل: زيد بن النُّعْمَان الزرقي الْأنْصَارِيّ، وَعَن يحيى: ثِقَة. وَقَالَ ابْن حبَان، كَذَلِك، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ اسْمه سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ.
    وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعبد الرَّحْمَن بن بشير وَعَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن رمح. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجِهَاد عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن وَعَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم عَن مُؤَمل بن شهَاب وَعَن الْحسن بن قزعة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله وَعَن عبد الله بن مُنِير وَعَن أَحْمد بن حَرْب وَعبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رمح.
    قَوْله: (بعد الله وَجهه) ، وَأول النَّوَوِيّ وَغَيره المباعدة من النَّار على المعافاة مِنْهَا، دون أَن يكون المُرَاد الْبعد بِهَذِهِ الْمسَافَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث. قلت: لَا مَانع من الْحَقِيقَة على مَا لَا يخفى، ثمَّ هَذَا يَقْتَضِي إبعاد النَّار عَن وَجه الصَّائِم، وَفِي أَكثر الطّرق إبعاد الصَّائِم نَفسه، فَإِذا كَانَ المُرَاد من الْوَجْه الذَّات، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {كل شَيْء هَالك إلاَّ وَجهه} (الْقَصَص: 88) . يكون مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا، وَإِن كَانَ المُرَاد حَقِيقَة الْوَجْه يكون الإبعاد من الْوَجْه فَقَط، وَلَيْسَ فِيهِ أَن يبْقى الْجَسَد أَن يَنَالهُ النَّار، إلأ أَن الْوَجْه كَانَ أبعد من النَّار من سَائِر جسده، وَذَلِكَ لِأَن الصّيام يحصل مِنْهُ الظمإ وَمحله الْفَم، لِأَن الرّيّ يحصل بالشرب فِي الْفَم. قَوْله: (سبعين خَرِيفًا) أَي: سنة، لِأَن السّنة تَسْتَلْزِم الخريف فَهُوَ من بابُُ الْكِنَايَة.
    وَاخْتلفت الرِّوَايَات فِي مِقْدَار المباعدة من النَّار، فَفِي حَدِيث عقبَة بن عَامر عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخرجه النَّسَائِيّ: (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله باعد الله مِنْهُ جَهَنَّم مائَة عَام) . وَفِي حَدِيث عَمْرو بن عَنْبَسَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) كَذَلِك مائَة عَام، وَكَذَا فِي حَدِيث عبد الله بن سُفْيَان أخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا. وَفِي حَدِيث أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أخرجه ابْن عدي فِي (الْكَامِل) : (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله تَبَاعَدت عَنهُ جَهَنَّم مسيرَة خَمْسمِائَة عَام) . وَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة، أخرجه التِّرْمِذِيّ وَتفرد بِهِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله جعل الله بَينه وَبَين النَّار خَنْدَقًا كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض) ، وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الصَّغِير) عَن أبي الدَّرْدَاء، وَكَذَا رَوَاهُ عَن جَابر، وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: أبعده الله من النَّار مسيرَة مائَة سنة حضر الْجواد. وَفِي حَدِيث عتبَة بن النّذر أخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله فَرِيضَة باعد الله مِنْهُ جَهَنَّم كَمَا بَين السَّمَوَات وَالْأَرضين السَّبع، وَمن صَامَ يَوْمًا تَطَوّعا باعد الله مِنْهُ جَهَنَّم مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض) وَفِي حَدِيث سَلامَة بن قَيْصر، أخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (الْكَبِير) قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (من صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاء وَجه الله بعده الله من جَهَنَّم بعد غراب طَار، وَهُوَ فرخ حَتَّى مَاتَ هرماً. وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه التِّرْمِذِيّ أَنه قَالَ: (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله زحزحه الله عَن النَّار سبعين خَرِيفًا، وَالْآخر يَقُول: أَرْبَعِينَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب. وَفِي حَدِيث سهل بن معَاذ عَن أَبِيه، أخرجه أَبُو يعلى الْموصِلِي: (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله مُتَطَوعا فِي غير رَمَضَان بعد من النَّار مائَة عَام سير الْمُضمر الْمجِيد. وَفِي حَدِيث ابْن عَسَاكِر عَن ابْن عمر: (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله مُتَطَوعا فَهُوَ بسبعمائة يَوْم) .
    فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات؟ قلت: الأَصْل أَن يرجح مَا طَرِيقَته صَحِيحَة، وأصحها رِوَايَة: سبعين خَرِيفًا، فَإِنَّهَا مُتَّفق عَلَيْهَا من حَدِيث أبي سعيد. وَجَوَاب آخر: أَن الله أعلم نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَولا بِأَقَلّ المسافاة فِي الأبعاد، ثمَّ أعلمهُ بعد ذَلِك بِالزِّيَادَةِ على التدريج فِي مَرَاتِب الزِّيَادَة، وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك بِحَسب اخْتِلَاف أَحْوَال الصائمين فِي كَمَال الصَّوْم ونقصانه، وَالله أعلم.

    (قَوْلُهُ بَابُ فَضْلِ الصَّوْمِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
    قَالَ بن الْجَوْزِيِّ إِذَا أُطْلِقَ ذِكْرُ سَبِيلِ اللَّهِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْجِهَادُ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ سَبِيلُ اللَّهِ طَاعَةُ اللَّهِ فَالْمُرَادُ مَنْ صَامَ قَاصِدًا وَجْهَ اللَّهِ قُلْتُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ وَجَدْتُهُ فِي فَوَائِدِ أَبِي الطَّاهِرِ الذُّهْلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ اللَّيْثِيِّ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ مَا مِنْ مُرَابِطٍ يُرَابِطُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الحَدِيث وَقَالَ بن دَقِيقِ الْعِيدِ الْعُرْفُ الْأَكْثَرُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْجِهَادِ فَإِنْ حُمِلَ عَلَيْهِ كَانَتِ الْفَضِيلَةُ لِاجْتِمَاعِ الْعِبَادَتَيْنِ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِسَبِيلِ اللَّهِ طَاعَتُهُ كَيْفَ كَانَتْ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ أَنَّ الْفِطْرَ فِي الْجِهَادِ أَوْلَى لِأَنَّ الصَّائِمَ يَضْعُفُ عَنِ اللِّقَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي بَابِ مَنِ اخْتَارَ الْغَزْوَ عَلَى الصَّوْمِ لِأَنَّ الْفَضْلَ الْمَذْكُورَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَخْشَ ضَعْفًا وَلَا سِيَّمَا مَنِ اعْتَادَ بِهِ فَصَارَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ فَمَنْ لَمْ يُضْعِفْهُ الصَّوْمُ عَنِ الْجِهَادِ فَالصَّوْمُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ

    [رقم الحديث عند عبدالباقي:2712 ... ورقمه عند البغا:2840] قَوْلُهُ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ لَمْ يُخْرِجْ لَهُ الْبُخَارِيِّ مَوْصُولًا إِلَّا هَذَا وَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِ لِأَنَّهُ قَرَنَهُ بِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ عَلَى سُهَيْلٍ فَرَوَاهُ الْأَكْثَرُ عَنْهُ هَكَذَا وَخَالَفَهُمْ شُعْبَةُ فَرَوَاهُ عَنْهُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَلَعَلَّ لِسُهَيْلٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ سُهَيْلٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَوَهِمَ فِيهِ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَإِنَّمَا يَرْوِيهِ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَإِنَّمَا رَوَاهُ سُهَيْلٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ لَا عَنِ الْمَقْبُرِيِّ كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ سُهَيْلٍ قَوْلُهُ سَبْعِينَ خَرِيفًا الْخَرِيفُ زَمَانٌ مَعْلُومٌ مِنَ السَّنَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْعَامُ وَتَخْصِيصُ الْخَرِيفِ بِالذِّكْرِ دُونَ بَقِيَّةِ الْفُصُولِ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ وَالرَّبِيعِ لِأَنَّ الْخَرِيفَ أَزْكَى الْفُصُولِ لِكَوْنِهِ يُجْنَى فِيهِ الثِّمَارُ وَنَقَلَ الْفَاكِهَانِيُّ أَنَّ الْخَرِيفَ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْحَرَارَةُ وَالْبُرُودَةُ وَالرُّطُوبَةُ وَالْيُبُوسَةُ دُونَ غَيْرِهِ وَرُدَّ بِأَنَّ الرَّبِيعَ كَذَلِكَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَرَدَ ذِكْرُ السَّبْعِينَ لِإِرَادَةِ التَّكْثِيرِ كَثِيرًا انْتَهَى وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَالطَّبَرَانِيّ عَن عَمْرو بن عَنْبَسَة وَأَبُو يَعْلَى عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ فَقَالُوا جَمِيعًا فِي رواياتهم مائَة عَام

    باب فَضْلِ الصَّوْمِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
    (باب فضل الصوم) في الجهاد (في سبيل الله) أو المراد ابتغاء وجه الله لئلا يعارض أولوية
    الفطر في الجهاد عن الصوم لأنه يضعف عن اللقاء، لكن يؤيد الأول ما في حديث أبي هريرة المروي في فوائد أبي الطاهر الذهلي ما من مرابط يرابط في سبيل الله فيصوم يومًا في سبيل الله الحديث.
    وحينئذ فالأولوية المذكورة محمولة على من يضعفه الصوم عن الجهاد، أما من لم يضعفه فالصوم في حقه أفضل لأنه يجمع بين الفضيلتين.

    [ رقم الحديث عند عبدالباقي:2712 ... ورقمه عند البغا: 2840 ]
    - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ -رضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».
    وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن نصر) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر فنسبه إلى جده ويعرف بالسعدي لأنه نزل بباب بني سعد قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرنا) بالإفراد (يحيى بن سعيد) الأنصاري (وسهيل بن أبي صالح أنهما سمعا النعمان بن أبي عياش) بتشديد التحتية وبعد الألف شين معجمة واسمه زيد بن الصلت وقيل زيد بن النعمان الزرقي الأنصاري (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) بالدال المهملة (-رضي الله عنه-) أنه (قال: سمعت رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول):
    (من صام يومًا في سبيل الله) عز وجل (بعّد الله) بتشديد العين (وجهه) أي ذاته كلها (عن النار سبعين خريفًا) أي سنة.
    وعند أبي يعلى من طريق زياد بن فائد عن معاذ بن أنس: بعّد من النار مائة عام سير المضمر الجواد.
    وعند الطبراني في الصغير والأوسط بإسناد حسن عن أبي الدرداء: "جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض". وفي كامل ابن عدي عن أنس تباعدت منه جهنم خمسمائة عام قيل ظاهرها التعارض.
    وأجيب: بالاعتماد على رواية سبعين للاتفاق عليها في الصحيح أولى أو أن الله أعلم نبيه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالأدنى ثم ما بعده على التدريج أو أن ذلك بحسب اختلاف أحوال الصائمين في كمال الصوم ونقصانه.

    (بابُُ فَضْلِ الصَّوْمِ فِي سَبِيلِ الله)

    أَي: هَذَا بابُُ فِي بَيَان فضل الصَّوْم فِي سَبِيل الله، أَي: الْجِهَاد، وَقَالَ القررطبي: سَبِيل الله: طَاعَة الله، وَالْمرَاد بِهِ: الصَّوْم مبتغياً وَجه الله.
    [ رقم الحديث عند عبدالباقي:2712 ... ورقمه عند البغا:2840 ]
    - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْر قَالَ حدَّثنا عبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أخبرَنِي يَحْيى بنُ سَعِيدٍ وسُهَيْلُ بنُ أبي صَالِحٍ أنَّهُما سَمِعَا النُّعْمَانَ بنَ أبِي عَيَّاشٍ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ مَنْ صَامَ يَوْمَاً فِي سَبيلِ الله بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عنِ النَّارِ سَبْعينَ خَرِيفاً.
    مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِسْحَاق بن نصر هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر السَّعْدِيّ النجاري، وَكَانَ ينزل بِالْمَدِينَةِ بِبابُُ بني سعد، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع من كِتَابه، مرّة يَقُول: إِسْحَاق بن نصر، فينسبه إِلَى جده، وَمرَّة يَقُول: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر، فينسبه إِلَى أَبِيه، وَعبد الرَّزَّاق بن همام، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَسُهيْل بن أبي صَالح لم يخرج لَهُ البُخَارِيّ مَوْصُولا إلاَّ هَذَا، وَلم يحْتَج بِهِ، وَلِهَذَا قرنه بِيَحْيَى بن سعيد، وَقد اخْتلف فِي إِسْنَاده على سُهَيْل، فَرَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ عَنهُ هَكَذَا، وَخَالفهُم شُعْبَة فَرَوَاهُ: عَنهُ عَن صَفْوَان بن يزِيد عَن أبي سعيد. أخرجه النَّسَائِيّ والنعمان بن أبي عَيَّاش، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة: واسْمه زيد بن الصَّلْت، وَقيل: زيد بن النُّعْمَان الزرقي الْأنْصَارِيّ، وَعَن يحيى: ثِقَة. وَقَالَ ابْن حبَان، كَذَلِك، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ اسْمه سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ.
    وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعبد الرَّحْمَن بن بشير وَعَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن رمح. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجِهَاد عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن وَعَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم عَن مُؤَمل بن شهَاب وَعَن الْحسن بن قزعة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله وَعَن عبد الله بن مُنِير وَعَن أَحْمد بن حَرْب وَعبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رمح.
    قَوْله: (بعد الله وَجهه) ، وَأول النَّوَوِيّ وَغَيره المباعدة من النَّار على المعافاة مِنْهَا، دون أَن يكون المُرَاد الْبعد بِهَذِهِ الْمسَافَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث. قلت: لَا مَانع من الْحَقِيقَة على مَا لَا يخفى، ثمَّ هَذَا يَقْتَضِي إبعاد النَّار عَن وَجه الصَّائِم، وَفِي أَكثر الطّرق إبعاد الصَّائِم نَفسه، فَإِذا كَانَ المُرَاد من الْوَجْه الذَّات، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {كل شَيْء هَالك إلاَّ وَجهه} (الْقَصَص: 88) . يكون مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا، وَإِن كَانَ المُرَاد حَقِيقَة الْوَجْه يكون الإبعاد من الْوَجْه فَقَط، وَلَيْسَ فِيهِ أَن يبْقى الْجَسَد أَن يَنَالهُ النَّار، إلأ أَن الْوَجْه كَانَ أبعد من النَّار من سَائِر جسده، وَذَلِكَ لِأَن الصّيام يحصل مِنْهُ الظمإ وَمحله الْفَم، لِأَن الرّيّ يحصل بالشرب فِي الْفَم. قَوْله: (سبعين خَرِيفًا) أَي: سنة، لِأَن السّنة تَسْتَلْزِم الخريف فَهُوَ من بابُُ الْكِنَايَة.
    وَاخْتلفت الرِّوَايَات فِي مِقْدَار المباعدة من النَّار، فَفِي حَدِيث عقبَة بن عَامر عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخرجه النَّسَائِيّ: (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله باعد الله مِنْهُ جَهَنَّم مائَة عَام) . وَفِي حَدِيث عَمْرو بن عَنْبَسَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) كَذَلِك مائَة عَام، وَكَذَا فِي حَدِيث عبد الله بن سُفْيَان أخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا. وَفِي حَدِيث أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أخرجه ابْن عدي فِي (الْكَامِل) : (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله تَبَاعَدت عَنهُ جَهَنَّم مسيرَة خَمْسمِائَة عَام) . وَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة، أخرجه التِّرْمِذِيّ وَتفرد بِهِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله جعل الله بَينه وَبَين النَّار خَنْدَقًا كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض) ، وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الصَّغِير) عَن أبي الدَّرْدَاء، وَكَذَا رَوَاهُ عَن جَابر، وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: أبعده الله من النَّار مسيرَة مائَة سنة حضر الْجواد. وَفِي حَدِيث عتبَة بن النّذر أخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله فَرِيضَة باعد الله مِنْهُ جَهَنَّم كَمَا بَين السَّمَوَات وَالْأَرضين السَّبع، وَمن صَامَ يَوْمًا تَطَوّعا باعد الله مِنْهُ جَهَنَّم مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض) وَفِي حَدِيث سَلامَة بن قَيْصر، أخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (الْكَبِير) قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (من صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاء وَجه الله بعده الله من جَهَنَّم بعد غراب طَار، وَهُوَ فرخ حَتَّى مَاتَ هرماً. وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه التِّرْمِذِيّ أَنه قَالَ: (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله زحزحه الله عَن النَّار سبعين خَرِيفًا، وَالْآخر يَقُول: أَرْبَعِينَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب. وَفِي حَدِيث سهل بن معَاذ عَن أَبِيه، أخرجه أَبُو يعلى الْموصِلِي: (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله مُتَطَوعا فِي غير رَمَضَان بعد من النَّار مائَة عَام سير الْمُضمر الْمجِيد. وَفِي حَدِيث ابْن عَسَاكِر عَن ابْن عمر: (من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله مُتَطَوعا فَهُوَ بسبعمائة يَوْم) .
    فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات؟ قلت: الأَصْل أَن يرجح مَا طَرِيقَته صَحِيحَة، وأصحها رِوَايَة: سبعين خَرِيفًا، فَإِنَّهَا مُتَّفق عَلَيْهَا من حَدِيث أبي سعيد. وَجَوَاب آخر: أَن الله أعلم نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَولا بِأَقَلّ المسافاة فِي الأبعاد، ثمَّ أعلمهُ بعد ذَلِك بِالزِّيَادَةِ على التدريج فِي مَرَاتِب الزِّيَادَة، وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك بِحَسب اخْتِلَاف أَحْوَال الصائمين فِي كَمَال الصَّوْم ونقصانه، وَالله أعلم.

    رواة الحديث

    تعرف هنا على رواة هذا الحديث الشريف وسيرتهم وطبقاتهم ورتبة كل منهم